قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
ذلك من مولاه، فيكون موافقا له، و الله تعالى يشهد يده في العطاء، و يمدح المنفقين نهاية في كرمه، و يشهد في المنع و المكروه مشيئته، و يذمّ الباخلين و العاصين قدرة من حكمته و حكما من تقديره لإظهار الأحكام و تفصيل الحلال و الحرام و عود الثواب و العقاب على الأنام. فقد أظهر الأمر و استأثر بسرّ القدر فعمل المؤمن بما أمر و سلم له ما استأثر. و روى بعض العلماء عن الله تعالى: لو أن ابن آدم لم يخف غيري ما أخفته من غيري، و لو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري، و روى أعظم من هذا قال: وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عزّ و جلّ يفزعه في قبره إلى يوم القيامة. و قال الفضيل بن عياض: «من خاف الله خاف منه كل شيء». و يقال: «إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق، و إن ذلك من قلة الفقه عن الله تعالى» و قد قال الله أحسن القائلين في معناه: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣]. فكان العبد إذا تمّ خوفه من الله تعالى، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه، و حوّل ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو، كما إذا كملت مشاهدة العبد و قام بشهادته و غيّبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عزّ و جلّ فلم يرها، و قام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرّغ قلبه لمعاينة الملك. و قال سنيد عن يحيى بن أبي كثير: مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله. و قال سنيد: يعني أن يقول: لو لا فلان هلكت، و لو لا كذا ما كان كذا. و يقال: إن قول العبد لو لا كذا ما كان كذا من الشرك. و قال في الخبر: إياكم و لو فإنه يفتح عمل الشيطان. و قال بعض العلماء: سوف جند من جنود إبليس. و قد جاء في تفسير قوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥] قالوا: كان الملاح فارها، و مثله في قوله تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]. قيل قالوا: لو لا نباح الكلاب و زقاء الديكة لأخذنا السرق. و روينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم: من اعتزّ بالعبيد أذلّه الله. و قد جاء في الخبر: لو توكّلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا، و لزالت بدعائكم الجبال. و قد كان عيسى عليه السلام يقول: انظروا إلى الطير لا تزرع و لا تحصد و لا تدخر و الله يرزقها يوما بيوم، فإن قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض الله لها هذا الخلق. و يقال: «لا يدّخر من الدواب إلا ثلاثة: النملة و الفأرة و ابن آدم»، و قال أبو يعقوب السوسي: المتوكّلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله و اختياره على يد خصوص عباده بلا شغل و لا