قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
بنظره إليه، و عزّ بقوّته به، و استغنى بقربه منه، و شرّف بحضوره عنده. و كذلك جاء في الخبر: كفى باليقين غنى. حينئذ نظر إليه في كل شيء، و وثق به، و اعتمد عليه دون كل شيء، و قنع منه بأدنى شيء، و صبر عليه، و رضي عنه، إذ لا بدّ له منه، فثمّ لا يطمع في سواه، و لا يرجو إلا إياه، و لا يشهد في العطاء إلا يده، و لا يرى في المنع إلا حكمته، و لا يعاين في القبض و البسط إلا قدرته. هناك حقّت عبادته و خلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه، و طلب الرزق عند معبوده و رازقه، و قام بشهادة ما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤] و قال: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ [العنكبوت: ١٧]. فعندها لم يحمد خلقا و لم يذمّه و لم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأوّل المعطي، و لم يشكره إلا لأن مولاه مدحه و أمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه، و اتّباعا لسنّة رسوله صلى الله عليه و سلم، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته لمولاه بموافقته هواه، لأنه تعالى قد مدح المنفقين و ذمّ الباخلين. و الفرق بين الحمد و الشكر: أن الحمد مفرد لا ينبغي إلّا للَّه و هو الاعتراف بأن النعمة من الله عزّ و جلّ، و حسن المعاملة بها لوجه الله لا شريك له فيه. و لذلك قال: الحمد للَّه ربّ العالمين، أي الحمد كلّه لا يكون و لا ينبغي إلّا للَّه، لأنه ربّ العالمين. و في الخبر: الحمد رداء الرحمن عزّ و جلّ، و الشكر إظهار الثناء، و أسرار الدعاء للأواسط، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان، و هو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر من الناس. حدثونا عن يوسف بن أسباط قال: قال لي الثوري: لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر. قلت: و كيف ذاك؟ قال: إذا أوليتك معروفا، فكنت به أسرّ منك، و كنت منك أشد استحياء فاشكر و إلا فلا. و سأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم، فعرضه عليه فلم يقبله و قال: أو كل من بذل لنا شيئا قبلناه منه؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ. و حدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فردّه، فلما انصرف قال له هاشم الأوق عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته. فانصرف حزينا، و أنت تأخذ من مالك بن دينار و محمد بن واسع الشيء بعد الشيء. فقال له الحسن: ويحك إن مالكا و ابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما، فعلينا أن نقبل، و إن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي، فرددنا عليه صلته، و عندها لا تذم أحدا و لا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأوّل، و إذ له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة، و لكن نذمّه و ننقصه و نبغضه إن كان استوجب