قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٩ - شرح خامس ما بني الإسلام عليه و هو الحج و بالحج كمال الشريعة و تمام الملة
هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: يفطر على جرعة من ماء، أو مذقة من لبن، أو تمرات قبل أن يصلي. و في الخبر: كم من صائم حظّه من صيامه الجوع و العطش قيل: هو الذي يجوع بالنهار و يفطر على حرام. و قيل: هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام و يفطر بالغيبة من لحوم الناس. و قيل: هو الذي لا يغضّ بصره و لا يحفظ لسانه عن الآثام و يقال: إنّ العبد إذا كذب، أو اغتاب، أو سعى في معصية في ساعة من صومه، خرق صومه. و إنّ صوم يوم يلفق له في صيام أيام حتى يتمّ بها صوم يوم ساعة ساعة. و في الحديث: الصوم جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة. و كانوا يقولون: الغيبة تفطر الصائم. و قد كانوا يتوضئون من أذى المسلم. و روي عن جماعة في الوضوء مما مسّت النار: لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحبّ إليّ من أن أتوضأ من طعام طيّب. و روي عن بشر بن الحرث عن سفيان: من اغتاب فسد صومه. و روينا عن ليث عن مجاهد: خصلتان يفسدان الصوم: الغيبة و الكذب. و روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: خمس يفطرن الصائم: الكذب، و الغيبة، و النميمة، و اليمين الكاذبة، و النظر بشهوة. و يقال: إنّ من الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في عشر رمضانات، و في عشرين، مثل سائر الفرائض من الصلاة و الزكاة التي يحاسب عليها العبد. فإن وجدت كاملة و إلّا تممت من سائر تطوعه. و يقال: إنّ العبد يصحّ له صوم في خمسة أيام كما يصحّ له صلاة واحدة بخمس صلوات ترفع له الأوقات. و في الخبر: من اغتاب خرق صومه فليرقع صومه بالاستغفار. و يقال: إنّ الله تعالى لم يفترض شيئا فرضي بدونه، و أنه يطالب بما فرضه و يحاسب على ما أوجبه و عفو الله سبحانه و تعالى يأتي على كثير من الذنوب. و المراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع و العطش، كما ذكرناه من أمر الصلاة أنّ المراد بها الانتهاء عن الفحشاء و المنكر، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من لم يترك قول الزور و العمل به فليس للَّه حاجة في أن يترك طعامه و شرابه. شرح خامس ما بني الإسلام عليه: و هو الحج و بالحج كمال الشريعة و تمام الملة ذكر فرائض الحج قال الله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]. و فسّر رسول الله صلى الله عليه و سلم الاستطاعة بالزاد و الراحلة. فإذا وجد العبد زادا و راحلة لزمه فرض الحج، فإن أخّره بعد وجود ذلك كان مكروها، فإن مات و لم يحج، أو مات على عدم الإمكان بعد وجوده، كان عاصيا للَّه تعالى من حين أمكنه إلى يوم موته، و لم يكن كامل الإسلام، لأن الله تعالى أكمل الإسلام بالحجّ لما أنزل هذه الآية في الحج يوم عرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣].