قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٥ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
و لو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك. و في رواية أخرى قال: و تصدقت يوما بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إليّ فوجدته لا علي و لا لي. قال سفيان: و قد رووا هذا ما أحسن حاله حيث وجدها لا له و لا عليه قد أحسن إليه. و من أوذي أو اغتيب فليحتسب عرضه عند الله تعالى، فلعل ذلك يكون سبيا لنجاته. فقد روي أنّ العبد ليحاسب على أعماله كلها فتبطل بدخول الآفات فيها حتى يستوجب النار، ثم ينشر له أعمال من الحسنات لم يكن عملها فيستوجب به الجنة، فيعجب من ذلك فيقول: يا رب هذه أعمال ما عملتها؟ فيقال: هي أعمال الذين اغتابوك و آذوك و ظلموك جعلت حسناتهم لك، و لا تحقرن شيئا من الأعمال و إن قل فتخليه من النية أو تصغره فربما كان هلاكه و عطبه فيه و هو لا يعلم. و قد روي ابن المبارك عن الحسن: أنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: بيني و بينك الله تعالى: فيقول: و الله ما أعرفك. فيقول: بلى أنت أخذت من حائطي تبنة و أنّ الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول: هذا أخذ من ثوبي زبيرة. و مات حماد بن أبي سليمان و كان أحد علماء أهل الكوفة، فقيل للثوري: أ لا تشهد جنازته؟ فقال: لو كانت لي نية لفعلت. و مات الحسن البصري فلم يحضر ابن سيرين جنازته فسئل عن ذلك فقال: لم يكن لي نية. و قد كان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء أو سعي فيه يقولون: إن رزقنا الله نية فعلنا ذلك. و قال يحيى بن كثير: «حسن النية في العمل أبلغ من العمل». و قال بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون لهم في كل شيء نية. و قال الفضيل بن عياض: لا تتحدّث إلّا بنية. و كان بعضهم يقول: الخوف على فساد النية و تغيرها أشد من ترك الأعمال. و قال الثوري: من دعا رجلا إلى طعامه و ليس له نية في أن يأكل فإن أجابه فأكل فعليه وزران. و إن لم يجبه فعليه وزر واحد فصيّر عليه و زرين مع أكل طعامه بغير نية، لتعرضه للمقت و حمله أخاه على ما يكره، إذ لو علم لما أجابه. فمن أفهمه الله تعالى إخلاص النية و زاده معرفة الإخلاص أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين، و إذا لا ينفعه شيء إلّا شيء بينه و بين الله عزّ و جلّ لا شريك فيه لسواه، و هذا المعنى هو الذي أخرج طائفة الأبدال إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم إلى النظر إليهم، فهم و إن فارقوا فضائل الأعمال من صلاة الجماعة و غيرها فقد تقرر عندهم أنّ اجتناب معصية واحدة خير من عمل سبعين طاعة، فلذلك فارقوا فضول النوافل خشية دخول معصية واحدة عليهم. و الجاهل باللَّه عزّ و جلّ يعمل في طلب الفضائل و لا يبالي بيسير الذنوب و فيها بعد من الله تعالى، و ليس ذلك طريق المقربين. و قد تختلف النيات