قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٨ - الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار
في قضائه، و لا شكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء، لأنه في يد الوكيل يقلبه كيف يشاء. و التوكّل عند المتوكّلين هو في الصبر للصبور و تسليم الحكم للحاكم. و منه قوله تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت: ٥٩] و قوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [يوسف: ٦٧]. و قال رجل لبشر بن الحارث: إني أريد سفرا و لكني منعني أنه ليس عندي شيء، فقال: لا يمنعك العدم من سفرك و اخرج لقصدك، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك. و كان إبراهيم الخواص يقول: كفّ فارغ و قلب طيب و مرّ حيث شئت، و من طرقته فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكّل أن يسأل إذا عدم القوة و الصبر، لأنه حينئذ يسأل لربه لا لنفسه، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه و حفظ عقله الذي هو مكان تكليفه. و في الأثر: من جاع فلم يسأل فمات دخل النار، لأنّ ترك السؤال عند خوف رهق الموت، و مع عدم الصبر سبب التلف، إن كان الجوع أحد الحتوف القاتلة. و قد تأوّل بعض متأخّري الصوفية قول النبي صلى الله عليه و سلم: أحلّ ما أكل العبد من كسب يده قال: المسألة عند الفاقة و أنا بريء من عهدة هذا التأويل. و قد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية و كان هو يستحسنه، و لكن قد كان أبو سعيد الخراز يمدّ يده عند الفاقة و يقول: ثم شيء للَّه. و حدثونا عن أبي جعفر الحداد، و كان شيخا للجنيد، له علم في التوكّل و حال من الزهد، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين، و لم يعب هذا عليه أحد من الخصوص. و قد رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك و قال: دفع إليك شيء أخرجته كله، فلو تركت منه لعشائك شيئا؟ فقال: ما ظننت أني أعيش إلى السماء، و لو علمت ذلك فعلت، و كان هذا زاهد قصير الأمل إلّا أنّ السؤال للمتوكّل عند الخواص يخرجه من التوكّل. و قد كان سهل يقول: المتوكّل لا يسأل و لا يردّ و لا يحتكر، و ليس يخرجه عندي من التوكّل المسألة عند الفاقة، بل عدم الصبر و القوة، ففقد ذينك وجود الإذن من الله له في السؤال إذا كان ناظرا إلى تصريف و الوكيل في كل حال، و لأنّ الوليّ الحميد يقلب وليّه في جميع الأحوال. أ لم تر إلى إمامي أهل الظاهر و الكتاب و أهل الباطن و القلوب، استطعما أهلها، لأن المسلم يستحقّ على إخوانه سدّ جوعته لحرمة الإسلام. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: ليلة الضيف واجبة. و قال عليه الصلاة و السلام: الضيافة حقّ. و في الخبر: و لك أن تأخذ من ماله مقدار