قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٥٠ - الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار
الخلق خرجوا في الأسفار لقطع ذلك و حسمه من الأذكار، و قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما و يرى إنّ ذلك علّة في توكله فيعمل في اختبار نفسه و كشف حاله. و حدثنا عن بعض الشيوخ قال: لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا،. و تطلّعت نفسي أن تعرّج على حشيش البرية، فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه، فلما ولّيت عنه هاربا التفتّ إليه، فإذا هو قد رجع عني، فانظروا إلى وليّ الله عزّ و جلّ كيف لم يفسد على توكّلي. فقيل له: لم هربت منه؟ قال: تشوّفت نفسي أن يقيتني. و على المسافر من أهل القلوب أن يفرّق بين سكون القلب إلى الوطن و السفر، و بين سكون النفس إليهما، فإنّ ذلك قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له، و لا تفتيش لحاله، و لا صدق في أحواله، أنّ سكون النفس هو سكون القلب فينقص بذلك و لا يفطن لنقصانه، فإن كان قلبه يسكن إلى أحدهما و فيه صلاح دينه و عمارة آخرته و محبة ربه، فهذا سكون القلب لأنه يسكن إلى أخلاق الإيمان و ما ورد العلم به و إن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما فيه عاجل حظوظ و عمارة دنياه و موافقة هواه، فهذا سكون نفس، لأنها تسكن إلى معاني الهوى، فليتحوّل من الوطن إلى الغربة، و ليرجع من الغربة إلى المصر، و من كان في سفر على غير هذا النعت من التفقد لحاله و حسن القيام بأحكامه فهو على هوى و فتنة، و سفره بلاء عليه و محنة. و فصل الخطاب أنّ من لم يكن له في سفره حال يشغله، و همّ يجمعه، و وقت يحبسه، و مأوى يظلّه، و مسكن يؤنسه، و زاد من باطنه، و علم من عالمه، فإنّ الحضر أرفق لحاله، و أصلح لقلبه، و أسكن لنفسه من السفر، لأنه يكون في السفر مشتّت السرّ، مفرق الهمّ، تارة بوجود معلوم يخاف عليه، و مرة بفقد معتاد يحنّ إليه، مرة باستشراف إلى خلق يطمع فيه، فمرة يضعف قلبه مع العدم، و تارة يقوى بالاستطلاع إلى البشر، و مرة يفزع بفقد ما عنده قد حضر، فمثل هذا يكون في السفر نقصان ما ادعى، و السفر يجمع همّ الأقوياء، و يشتّت قلوب الضعفاء، و يذهب أحوال أهل الابتداء، ثم إن لم يصلح قلبه و لم يستقم حاله في الحضر فإنه لا يصلح حاله و لا يستقيم قلبه في السفر. و أنشدوا لبعض السائحين في التغرّب: ألفت التفرّد و الغربة ففي كل يوم أطي تربه فيوم مقيم على نعمه و يوم مطلّ على نكبه و مما يطلب نفس الغريب حبيب تطيب به الصحبة