قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٧٦ - ذكر أحكام مقام الرضا
و غربة الحال و ابتداعا في القول و الفعال، لأن أوقاته قد ذهبت فلا يذهب وقت غيره بذكرها، و بطلان قول هذا عند العلماء أظهر من أن يدل على فساده، و الاشتغال بالبطلان بطالة، و إنما الرضا فيما كان غير مخالفة للَّه و لا معصية مثل ما يكون من نقص الدنيا و نقص الأموال و الأنفس من الأهل و الولد، و فيما على النفس فيه مشقة و لها منه كراهة، و فيما كان مزيدا في الآخرة لا عقوبة فيه من الله و لا وعيد عليه و لا ذم لفاعلية، و قد يحتج أيضا بطال لبخله و قلّة مواساته و بذله أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا و استئثاره على الفقر، إنّ الذي يمنعه من البذل و الإيثار و الزهد فيما في يديه و الإخراج رضاه بحاله و قلّة اعتراضه على مجراه فيه، و إنّ هذا مقام من مقامات الرضا خص به عند نفسه، و هذا قول لاعب ذي هوى، و هو من خدع النفوس و أمانيها و من غرور العدوّ و مكايده، لأنّ الرضا لا يمنع من اختيار الفقر و الضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد و أوصافه كيف يكون، فالراضي لا يأمر بالاستيثار و الاتساع لما كره من النعمة و الاستكثار، لأنّ الرضا لا يوقف عما ندب العبد إليه و لا يحمل على ما كره له. و هذا اعتذار من النفس و تمويه على الخلق ليسلم منهم، و لا عذر بهذا عند مالكه و لا سلامة له فيه من خالقه. و مجمل ما ذكرناه أنّ الرضا لا يصح إلا فيما يحسن الصبر عليه و الشكر عليه، لأنّ الرضا مقام فوق الصبر و الشكر و مزيد الصابرين و الشاكرين. فأما إن كان العبد على نقصان من الدين و في مزيد من الدنيا ثم رضي بحاله، فرضاه بحاله شرّ من أعماله لمخالفة الأمر. قال الله عزّ و جلّ: اتَّقُوا الله وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: ٣٥]، و قال تعالى: يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء: ٥٧]، و قال تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] و قال تعالى: وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ [آل عمران: ١٣٣]، و قال تعالى: وَ في ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [المطففين: ٢٦]، و قال تعالى: يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون: ٦١]، فندب إلى المسارعة و السوابق و ذم التخلف عنها و التثبط بالعوائق. فعلى هذا طريق المؤمنين و فيه مقامات الموقنين، و إنما كان سبب ترك سري السقطي السوق و زهده في الدنيا قوله: الحمد للَّه لأنها كلمة رضا ظهرت منه في موضع الاسترجاع للمصيبة و ذلك أنه بلغه أنّ الحريق وقع في سوقه فأحرق دكانه، فخرج في قطع من الليل فاستقبله قوم فقالوا: يا أبا الحسن، احترقت دكاكين الناس إلا دكانك فقال: الحمد للَّه: ثم تفكر في ذلك فقال: قلت الحمد للَّه في سلامة مالي و هلك أموال إخواني المسلمين. فتصدق بجميع ما كان في دكانه من السقط و الآلة كفارة لكلمته هذه، و خرج من السوق فشكر الله له فعله. فزهد في الدنيا و رفعه إلى مقام المحبة فأوصله ترك الرضا إلى الرضا. و بلغني عنه أنه كان يقول: