قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦ - ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة
الخيط سقط الحبّ. قال: كذلك إذا كذب بالقدر ذهب الإيمان. فالتوكّل فرض و فضل، ففرضه منوط بالإيمان و هو تسليم الأقدار كلّها للقادر و اعتقاد أن جميعها قضاؤه و قدره. ألم تر إلى ربك كيف أقسم بنفسه في نفي الإيمان عمّن لم يحكّم الرسول فيما اختلف عليه من حاله فقال تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥]، فكيف بالحاكم الأوّل و القاضي الأجلّ؟ فأما فضل التوكّل فإنه يكون عن مشاهدة الوكيل فإنه في مقام المعرفة ينظر عين اليقين، كما قال العبد الصالح: فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فظهرت منه قوّة عظيمة بقوي، و أخبر عن عزيز بعزّ فكأنه قيل: و لم ذاك و أنت بشر مثلنا ضعيف؟ فقال: إني توكّلت على الله ربي و ربكم، فكأنه سئل عن تفسير توكّله كيف سببه فأخبر بمشاهدة يد الوكيل آخذة بنواصي دواب الأرض، فقال: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ثم أخبر عن عدله في ذلك و قيام حكمته، و إنه و إن كان آخذا بنواصي العباد في الخير و الشر و النفع و الضرّ، فإن ذلك مستقيم في عدله. فقال: إن ربي على صراط مستقيم. و قال تعالى في فرض التوكل: وَ عَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣]، و قال تعالى في مثله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤]، و قال تعالى في فضله: وَ عَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إِبراهيم: ١٢]، و قال تعالى: إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]. ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة. اعلم أن الله عزّ و جلّ ذو قدرة و حكمة. فأظهر أشياء عن وصف القدرة، و أجرى أشياء عن معاني الحكمة. فلا يسقط المتوكّل ما أثبت من حكمته لأجل ما شهد هو من قدرته من قبل أن الله تعالى حكيم. فالحكمة صفته، و لا يثبت المتوكّل الأشياء حاكمة جاعلة نافعة ضارة، فيشرك في توحيده من قبل أن الله قادر و القدرة صفته، و أنه حاكم جاعل ضارّ نافع، لا شريك له في أسمائه، و لا ظهير له في أحكامه، كما قال عزّ و جلّ: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف: ٤٠] و قوله: وَ لا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف: ٢٦]. و كما قال تعالى: وَ ما لَهُمْ فِيهِما من شِرْكٍ وَ ما لَهُ مِنْهُمْ من ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢] الظهير المعين على الشيء. فالمتوكل مع مشاهدته قدرة الله على الأشياء و أنه منفرد بالتقدير «و التدبير قائم بالملك و المملوك هو أيضا عالم بوجوه الحكمة في التصريف و التقليب بإظهار الأسباب الأواسط لإظهار الأشخاص و الأشباح لإيقاع الأحكام على المحكوم و عود