قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
محبة الله عزّ و جلّ مقدمة لديه على محبته هو و اختياره، إذ للَّه عاقبة الأمور و قد شرّف المتقين و نزّههم عن أمور العاجلة الدنية بقوله عزّ و جلّ: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القص ٨٣]، و كما روي في أخبار موسى عليه السلام إذا لم يكن ما تريد فرد ما يكون، فإن أبيت إلا ما تريد أتعبتك فيما تريد و لا يكون إلا ما أريد. و روي عن الحسن: وددت أن أهل البصرة في عيالي و أن حبة بدينار، و هذا من نهاية التوكّل. و ليس ذلك إلا في تسليم الأحكام و الرضا بها كيف جرت بهم، لأن هذا كلام قد جاوز المعقول. و قد كان وهيب بن الورد المكي يقول: لو كانت السماء نحاسا، و الأرض رصاصا، ثم اهتممت برزقي لظننت أني مشرك. و يقال: من اهتمّ برزق غد و عنده اليوم قوت غد فهي خطيئة تكتب عليه. و قال سفيان: الصائم إذا اهتم في أوّل النهار بعشائه كتب عليه خطيئة. و كان سهل يقول: إن ذلك ينقص من صومه. و قال أعرف في البصرة مقبرة عظيمة يغدو على موتاهم برزقهم من الجنة بكرة و عشية يرون منازلهم من الجنان و عليهم من الغموم و الكروب ما لو قسم على أهل البصرة لماتوا أجمعين. قيل: و لم؟ قال: كانوا إذا تغدوا قالوا بأي شيء نتعشى؟ و إذا تعشوا قالوا بأي شيء نتغدى؟ و قال مرة أخرى: لم يكن لهم من التوكّل نصيب. و هذه المقامات من فضائل التوكّل و فوقها ما لا يصلح رسمه في كتاب من مكاشفات الصدّيقين و مشاهدات العارفين، منها أنه أعطاهم كن بإطلاعه إياهم على الاسم فزهدوا في كون كن لأجل كان، توكلا عليه و حياء منه أن يعارضوه في قدرته، و يرغبوا عن تقديره، أو يضاهوه في تكوينه، لأن تدبيره عندهم أحكم و أيقن، و هم بالعواقب أعلم، و أخبروهم له أشد إجلالا و إعظاما مما نقدر نحن و نعلم. فأما التوكّل عليه في القوت فإنه عندهم فرض التوكّل يستحيون من ذكره مع الوكيل. و كذلك التوكّل عليه في تسليم الأقدار حلوها و مرّها خيرها و شرها من الله حكمة و عدلا. كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: كل شيء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس. و كما قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك و أن ما أصابك لم يكن ليخطئك. و كذلك قال الله عزّ و جلّ: وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣]، فالعلم بهذه الأشياء، و طمأنينة القلب بها، و سكينة العقل عند ورودها، و أن لا يضطرب بالرأي و المعقول، و لا ينازع بالتشبيه و التمثيل، فإن هذا عندهم من فرائض الإيمان، لا يصحّ إيمان عبد حتى يسلم ذلك كله، و ليس هذا من التوكّل في شيء. و منه قول ابن عباس: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله و كذّب بالقدر كان تكذيبه بالقدر نقصا لتوحيده. فجعل الإيمان بالأقدار كلّها أنها من الله مشيئة و حكما بمنزلة الخيط الذي ينتظم عليه الحبّ، و أن التوحيد منتظم فيه. يقول: إذا انقطع