قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
مولاه بعمل غد. فأما المتوكّل في المضمون من الرزق المعلوم من القسم فهو توكّل العموم يستحي الخصوص من ذكره، و يتكرمون عن نشره إذا كان الله تعالى قد أقسم بنفسه أن الرزق في السماء حقّ، كما أقسم بنفسه أن كلامه حق. فجمع بينهما في الحقيقة بالقسم بالذات دون سائر الأفعال لتسكن بذلك نفوس الخليقة عن النظر إلى الأدوات، ليرتفع الشكّ فيهما و يحصل اليقين بحقيقتهما. فقال سبحانه: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذريات: ٢٣]. كما قال تعالى: وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس: ٥٣]. و ليس في القرآن قسم بالذات فيما سبرناه إلا خمسة: القسم الذي في سورة النساء على تسليم الأحكام فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] الآية، و في سورة التغابن على بعث الكافرين و أبنائهم زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]، و في سورة المعارج من سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: ١] في تبديل الخلق خلقا خيرا منهم فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَ الْمَغارِبِ [المعارج: ٤٠] إلى قوله: بِمَسْبُوقِينَ [المعارج: ٤١]، و هذان القسمان المتقدمان و سائر الأقسام بالأفعال، و لأن العبد قد وكل برزقه من يقوم له به من الخلق. فإن لم يرزق من كسبه و عن يده رزق من كسب غيره و يده، و لكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة، و ما يفوتهم من القربات إلى الله عزّ و جلّ، و بالخدمة للمولى الذي و كلّ إليهم. فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم، و لم ينب غيره من الدنيا منابه، لقوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم: ٣٩]، و قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ. لِسَعْيِها راضِيَةٌ [الغاشية: ٨- ٩] و لقوله تعالى: وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى [الأعلى: ١٧]، و قوله تعالى: وَ الله يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الانفال: ٦٧] و لقوله تعالى: من كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠]. و لم يقل هذا في أرزاق الدنيا. و معنى الزيادة أن لا يحاسبه على ما يعطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم. و قد قيل: إن الله تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة و لا يعطي الآخرة على نية الدنيا، و هذا لعلوّ الآخرة و دناءة الدنيا. و كان عليّ رضي الله عنه يقول: إلا أن حرث الدنيا المال، و حرث الآخرة العمل الصالح. و قد قيل: إن الزيادة في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيّته و قصده و لها يعمل، فشغل الخصوص بما وكّل إليهم و بما لا يعمله غيرهم لهم عمّا تكفّل به لهم، فأقيم غيرهم فيه مقامهم و ناب أيضا عنه مثله من أسباب دنياهم. كما روي في أخبار داود عليه السلام: إني خلقت محمدا لأجلي، و خلق آدم لأجل محمد، و خلقت ما خلقت لأجل آدم. فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني، و من اشتغل منهم بي