قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
سقت إليه ما خلقته لأجله. و توكّل الخصوص أيضا في الصبر على الأذى من القول و الفعل، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [المزمل: ٩- ١٠] مع قول الرسل عليهم السلام: و لنصبرنّ على ما آذيتمونا و على الله فليتوكّل المتوكّلون. و كذلك أمر نبيّه عليه السلام لما قال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، فأمره باتباعهم و قال: وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الله إلى قوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ من الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الاحقاف: ٣٥]. و قال بعض العارفين: لا يثبت لأحد مقام في التوكّل حتى يستوي عنده المدح و الذم من الخلق فيسقطان، و حتى يؤذى فيصبر على الأذى، يستخرج بذلك منه رفع السكون إلى الخلق، و النظر إلى علم الخالق الذي سبق، ثم التوكّل في الصبر على حسن المعاملة، و ترك الطلب للمعارضة حياء من الله و إجلالا له و تخوّفا منه و حبّا له. فقد وصفهم بذلك ظاهرا و باطنا. فالظاهر قوله تعالى: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت: ٥٨- ٥٩]. فلما علموا صبروا على علمهم، ثم توكّلوا عليه في جميع ذلك، فأنعم أجرهم و أجزل ذخرهم. و الباطن فيما أخبر عنهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا فقطعهم الخوف عن الطلب. ففي قوله: منكم، وجه حسن غريب، و هو باطن الآية قد يكون بمعنى لا نريد بدلا منكم، كقوله تعالى: وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً في الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف: ٦٠] ليس أنه جعل من البشر و منكم ملائكة، و لكن المعنى بدلا، هذا أحد الوجهين في الآية و هو أعلاهما، و الوجه الظاهر أن يكون الكاف و الميم أسماء المطعمين أي لا نريد من عندكم جزاء أي مكافأة و لا شكورا أي حسن ثناء. فلما لم يطلبوا العوض من أجلهم و لا المكافأة من عندهم و قالوا: إنّا نخاف من ربّنا، جزاهم أفضل الجزء، و أحسن لهم غاية العطاء فقال تعالى: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً. إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الدهر: ٢١- ٢٢]. إذ لم يطلبوا جزاء و لا شكورا جعل جزاءهم شرابا طهورا، و جعل سعيهم لديه مشكورا، ثم التوكّل عليه في تسليم الحكم و الرضا به. و منه قول يعقوب عليه السلام حين سلم الحكم توكلا على الوكيل الحاكم: إن الحكم إلا للَّه. عليه توكّلت، لأن العبد إذا كان مريد المراد نفسه من الأشياء قد لا يوجد في كل شيء إرادته، ثم هو على يقين من إرادة مولاه لكلّ شيء، و أن كل شيء مراد لوكيله فينبغي أن يريد ما يريد مولاه إذا لم يتفق له ما يريد بل ينبغي أن يكون مراد مولاه أحبّ إليه و أبر عنده لأن ما أراده مولاه مما لا عقوبة على العبد فيه، و لا مسخطة لمولاه فإنه محبوب للَّه مختار له. فلتكن