قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٨ - ذكر سنن الجسد
و قد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اتقوا الله و اتقوا الناس. و عن ابن عباس مثلها: لو لا مخافة الوسواس لم أجالس الناس. و قال مرة: لدخلت بلادا لا أنيس بها و هل يفسد الناس إلّا الناس؟ و قال بعض السلف: كلما كثرت المعارف كثرت الغرماء و كلما أطالت الصحبة توكدت الحقوق. و قال بعض العلماء: «من عرف نفسه استراح، و من عرف الناس تعنى». و قال بشر بن الحرث في ضده: من عرف الناس استراح. و قد قيل في معنى قوله عليه الصلاة و السلام: مداراة الناس صدقة. قال: مداراتهم في العلوم و مفارقتهم في العقول و في أحد الوجوه من قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [المؤمنون: ٩٦]. قال هي المداراة. و في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا و الآخرة، و من منع حظه من الرفق منع حظه من الدنيا و الآخرة. ذكر سنن الجسد و في الجسد اثنا عشرة سنّة، و ذلك مأخوذ من ثلاثة أحاديث متفرقة: منها حديث جبريل عليه السلام حين استبطأه النبي صلى الله عليه و سلم بالوحي، خمس منها في الرأس و هي: المضمضة، و الاستنشاق، و السواك، و قصّ الشارب، و فرق شعر الرأس، و منها سبع في الجسد: و هي الختان، و الاستحداد، و انتفاض الماء و هو الاستنجاء و نتف الإبط، و تقليم الأظافر، و غسل البراجم، و تنظيف الرواجب. فأما البراجم فهي معاطف ظهور الأنامل لم تكن العرب تكثر غسل ذلك لتركها غسل أيديها عقيب الطعام. فكان يجتمع في تلك المكاسر الوسخ فأمروا بغسلها. قال أبو هريرة و غيره من أهل الصفة: كنا نأكل الشواء ثم تقام الصلاة فندخل أصابعنا في الحصباء، ثم نفكرها في التراب و نكبّر. و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما كنا نعرف الأشنان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و إنما كانت مناديلنا بواطن أرجلنا، كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها. و يقال: أول ما ظهر من البدع بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع: المناخل، و الأشنان، و الموائد، و الشبع، فهذه كلها في شأن الجوف و هو شر وعاء مجوّف. و أما الرواجب فهي جمع راجبة و هي واحدة الأنامل لم تكن العرب يتفق لها الجلمان في كل وقت فيقصون أظفارهم فوقت لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لقصّ الأظفار و نتف الإبط و حلق العانة أربعين يوما، إلّا أنه أمر بتنظيف ما تحت الأظافر لأنه مجمع النفث، و هي الرواجب إلى أن يقصوا أظفارهم. و جاء في الأثر: أن النبي صلى الله عليه و سلم استبطأ الوحي فلما هبط جبريل عليه السلام قال له: كيف ننزل عليكم و أنتم لا تغسلون براجمكم و لا تنظفون رواجبكم، و قلحا لا تستاكون؟ مر أمتك بذلك.