قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٠ - ذكر ما في اللحية من المعاصي و البدع المحدثة
نصف الخد و ذلك مثله و هو نقصان من اللحية، و من ذلك تسريحها لأجل الناس تصنّعا أو تركها لأجل الناس شعثة مفتلة مغبرة إظهارا للزهد أو التهاون بالقيام على النفس لأنه قد عرف بذلك، و من ذلك النظر إلى سوادها عجبا بها و خيلاء و غرة بالشباب و فخرا، و من ذلك النظر إلى بياضها تكبّرا بكبر السنّ و تطاولا على الشبان فيحجبه نظره إليها عن النظر إلى نفسه من تعلّم العلم و تعلّم القرآن الذي لا يسعه جهله و السؤال عمّا يجهله استصغارا لغيره من الشباب، أو حياء من شيبه، أو استنكافا منه، فيظن بجهله أنّ كثرة الأيام التي بيّضت شعر لحيته أعطته فضلا أو جعلت فيه علما، و لا يعلم أنّ العقل غرائز في القلوب و أنّ العلم مواهب من علاّم الغيوب. و من كانت غريزته الحمق و طبيعته الجهل كثرت حماقته كلما كبر و عظمت هالته إذا أسنّ. و قد روينا جميع ذلك في كثير من الناس و هذا كله محدث و هو ضاهي سنن الجسد الاثنتي عشرة في العدد. و مما جاء في جمل معاني ما ذكرناه من الكراهة أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: حفوا الشوارب و أعفوا اللحى. فقوله: حفوا أي اجعلوها حفافي الشفة أي حولها، لأنّ حفاف الشيء حوله. و من ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ من حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر: ٧٥]. و كان بعض العلماء يكره حلق الشارب حتى تظهر البشرة و يراه بدعة. و قد كان مالك بن أنس و بعض علماء المدينة يقولون: حلق الشارب مثله إنما هو الأخذ منه حتى يبدو الإطار و الإطار حروف الشفة من فوق. و في الحديث لفظة أخرى: أحفوا الشوارب. و الإحفاء هو الاستئصال و الاستقصاء، و هو أبلغ من قوله: حفوا. و من هذا قوله عزّ و جلّ: إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا [محمد: ٣٧] أي يستقصي عليكم. و قد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يحفي شاربه. و نظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه. فقال: ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: فقلت هكذا كانوا يحفون شواربهم. فقال: نعم و أشد من هذا كالحلق. و ليس الإحفاء حلقا إلا أنه شبيه به. و قد روينا في هذا الحديث ثلاثة ألفاظ أخر و هو: خذوا من الشوارب فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأخذ من شاربه. و روي قصوا الشوارب، و جزوا الشوارب، فهذه الثلاثة بمعنى واحد و هو يقتضي أخذ بعضه و ترك البعض ليست كالإحفاء. و قال المغيرة بن شعبة: نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد عفا شاربي فقال تعالى: فقصه لي على سواك فهذا نص من فعله في أخذ الشارب. و قد رويت لفظة غريبة طروا الشوارب طرا، و الطرّ أن يؤخذ من فوق الشارب و من تحته يستدق، و الطرّ الدقيق المستطيل المستخرج من شيء أكثر منه حتى يحمل على وصف دونه أو أصغر منه، و من هذا سميت الطرة كأنها مستخرجة من شيء كثير مجعولة على وصف لطيف. و كان بعض السلف يترك