قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٤ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
وراء هذا مكان. و هذه المقامات التي شرحناها و هي مقامات اليقين، أولها التوبة إلى هذا المقام من المحبة، منوط بعضها ببعض. إن أعطي العبد حقيقة من أحدها أعطي من كل مقام حاله و مع كل حال مشاهدة، و لكل مشاهدة علم. إلا من شهد بالحق، و هم يعلمون و كلها مجموعة في حقيقة الإيمان، إن أعطي العبد حقيقة من إيمان و يقين حتى يكون مؤمنا حقّا، غير مرتدّ عنه و لا مستبدل به في علم الله تعالى، و كان إيمانه منة و هبة لا عارية و لا وديعة، فيسترد و يرتد على إظهار لبس أو إدراج مكر، محنة من الله تعالى و خبرة. و يكون مستبدلا لا بدلا، فإذا لم يكن كذلك و كان بدلا من مستبدل به أعطي من جميعها حالا فحالا، و شهادة شهادة، و إن تفاوتوا في العلوم و تعالوا في القرب و ذاك هو كمال الإيمان، و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في وصف كمال الإيمان، ثلاثة أحاديث من أصول هذه الأحوال و أساس هذه الأفعال منها، أنه قال: لا يستكمل العبد إيمانه حتى يكون قلة الشيء أحبّ إليه من كثرة الشيء، و حتى لا يعرف أحبّ إليه من أن يعرف. فهذان حالا الصادق الزاهد، و هما أول الطريق المؤدي إلى التحقيق و أس البنيان الرافع. إلى أنه ألا يخاف في الله لومة لائم و لا يرائي بشيء من عمله. و إذا عرض له أمران أحدهما للدنيا و الآخر للآخرة، آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا. فهذه أحوال المحبّ للَّه تعالى، المخلص بمعاملة الله عزّ و جلّ، الراغب فيما عند الله تبارك و تعالى. و الحديث الثالث قوله صلى الله عليه و سلم: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون فيه ثلاث خصال، من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، و إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و إذا قدر لم يتناول ما ليس له. فهذه تجمع أحوال العدل و الفضل و المراقبة و الزهد، و هي أصول المقامات و يشبه هذا الحديث قوله صلى الله عليه و سلم. في الحديث الرابع: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود، العدل في الرضا و الغضب، و القصد في اللاغنى، و الفقر و خشية الله تعالى في السرّ و العلانية. و تفسير ما ذكرناه قبل، من أن هذه المقامات مرتبطة بعضها ببعض، و أنّ من أعطى حقيقة من أحدها أعطي جميعها حالا، إذ يجمع ذلك كله الإيمان باللَّه تعالى ليتوب العبد إلى من آمن به، و إلى ما آمن به من الوعد و ما آمن به من الوعيد، ليحقّ إيمانه و يصحّ يقينه، و ليستقيم توحيده. كما قال تعالى: إِنَّ الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا. و قال تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ من تابَ مَعَكَ [هود: ١١٢] و قال: فآمن له لوط و قال: إني مهاجر إلى ربي فذهب إليه لما آمن به، و هو الرجوع و هي التوبة. ثم يزهد فيما تاب منه من هواه لتصحّ توبته و تخلص نيته، فيكون نصوحا. كما قال تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ الله باقٍ [النحل: ٩٦]، و قال: و الآخرة خير و أبقى. و قال: و شروه بثمن بخس دراهم معدودة.