قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٤ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
الضعة و الذلة و سقوطها من مراتب الأنفة و العزة تشبه نفس ابن الكديني، و هو أستاذ أبي القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه فردّه الأب أربع مرات في دعوة واحدة و هو يرجع في كل مرة و هو يرده، فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد، مشاهدة بالبلوى من المولى المبلى للعبيد، مذللة بالذلة، موضوعة على الضعة، و هذا طريق مفرد لأفراد و حال مجرد لآحاد، و المتكبرون لا يجيبون الدعوات، و هم عند بعضهم من أنفة النفوس. قال قائلهم: أنا لا أجيب دعوة. قيل: و لم؟ قال: انتظار المرقة ذلّ. و قال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلّت له رقبتي، و منهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في نفسه و يجيب الأغنياء لعظمهم في عينه. و من أبناء الدنيا الموصوفين بها من لا يجيب إلّا نظراءه و أشكاله من مثله طبقته و مرتبته في الرياضة في الدنيا، و هذا على خلاف سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم من أفعاله أنه كان يجيب دعوة المسكين و يجيب دعوة العبد. و من قوله: بئس الطعام و شرّ الطعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء و يترك الفقراء. ثم قال: من لا يجيب الدعوة فقد عصى الله تعالى. و مرّ الحسين بن عليّ رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، و قد نثروا كسرا على الأرض في الرمل و هم يأكلون، و كان على بغلته، فلما مرّ بهم سلّم عليهم فردوا عليه و قالوا: هلمّ إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم. قال: نعم إن الله لا يحبّ المستكبرين ثم ثنى وركه فنزل عن دابته و قعد معهم على الأرض و أقبل يأكل ثم سلم عليهم و ركب. و في خبر آخر- زيادة- فقال: قد أجبتكم فأجيبوني. قالوا: نعم فوعدهم المجيء في وقت من النهار فجاءوا فرحب بهم و رفع مجلسهم، ثم قال: يا واذات هاتي ما كنت تدّخرين. فأخرجت الجارية فاخر ما عندها من الطعام فأقبل يأكل معهم. و كان ابن المبارك يقدم إلى إخوانه فاخر الرطب و يقول: من أكل أكثر أعطيته بكل نواة درهما فكان يعد النوى فيعطي من كان له فضل نوى بعددها دراهم. و قال بعض أهل الاعتبار: ما أجبت إلّا لأتذكر بها نعيم الجنة، طعام ينقل بغير كلفة و لا مئونة. و لذلك قيل: إنّ اجتماع الإخوان في وجود الكفاية على الأنس و الألفة ليس هو من الدنيا. و قد كان بعض الصوفية يقول: لا تجب دعوة إلّا من يرى لك أنك أكلت رزقك و أنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده، و يرى لك الفضل عليه في قبولها منه، فهذه شهادة العارف من الداعين، كذلك شهادة المدعوين من الموحدين، أن يشهدوا الداعي الأول، و المجيب الآخر، و المعطي الباطن، و الرازق الظاهر، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين: بلغني أنّ رجلا دعا إماما من الصوفية في أصحابه إلى طعام، فلما أخذ القوم مجلسهم ينتظرون فضل الطعام إليهم، خرج إليهم شيخهم فقال: إنّ هذا الرجل زعم أنه