قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٦ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
لاختلاف المقاصد فيصير ما كان بعدا قربا بحسن النية و ما كان حسنا سيئا لسوء النية به. من ذلك أنّ داود المحبر لما صنف كتاب العمل جاء أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحا ثم رده إليه فقال: ما لك؟ فقال فيه أسانيد ضعفاء فقال له داود: أنا لم أخرجه على أسانيد فانظر فيه بعين الخبر، إنما نظرت بعين العمل فانتفعت به. قال أحمد: ردّه عليّ حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت بها، فردّه عليه فمكث الكتاب عنده طويلا حتى اقتضاه إياه ابن المحبر، ثم رده عليه و قال: جزاك الله خيرا، قد انتفعت به منفعة بينة. و قال الحسن: النية أبلغ من العمل. و قال: ابن آدم لا يهم بخير الآثار في قلبه منه نوران: فإن كانت الأولى للَّه عزّ و جلّ فلا تضرّه الآخرة، يعني إن كان عنده الإخلاص في الخير في الهمة الأولى فلا تضرّه الوسوسة التي تخالجه بعد ذلك فإنها ضعيفة لا تحل قوة العقد و لا تحلّ محكم مبرمه. و قال يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. و حدثونا عن بعض الصوفية قال: كنت قائما مع أبي عبيد التستري و هو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة، فمرّ به بعض إخوانه من الأبدال فساره بشيء. فقال أبو عبيد: لا. فمرّ كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب عن عيني. فقلت لأبي عبيد: ما قال لك؟ فقال: سألني أن أحج معه فقلت لا. فقال: ألا فعلت؟ قال: ليس لي في الحج نية، و قد نويت أنّ أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه لأجله أتعرض لمقت الله تعالى لأني أدخل في عمل الله تعالى شيئا غيره فيكون هذا عندي أعظم من سبعين حجة. و من كان له في مباح نية و لم تكن له نية في فضيلة فالأفضل هو المباح. حينئذ و قد انتقل المعنى فصار المباح هو الفضيلة و صارت الفضيلة هي النقيصة لعدم النية، و هذا لا يعلمه إلّا العلماء بباطن العلم و هو غوامض التصريف: مثل أن يكون رجل قد ظلم فله أن ينتصر و إن عفا كان أفضل إلّا أنه له نية في الانتصار و ليس له نية في العفو. فالانتصار هو الأفضل. و مثل أن تكون له نية في الأكل و الشرب و النوم ليتقوى بها على الطاعة و يريح بها نفسه لوقت آخر و ليس له في الصوم و لا في القيام نية، فقد صار الأكل و النوم حينئذ هو الأفضل. و قد كان أبو الدرداء يقول: إني لأستجم نفسي ببعض اللهو ليكون ذلك عونا لي على الحق، و كل عمل مباح للعبد فيه نية فهو مأجور عليه، و كل عمل فاضل لا نية للعبد فيه فأحسن حاله السلامة منه لا له و لا عليه و ربما كان مأزورا فيه إذا دخلت عليه نية دنيا، و كان عمل مباح أو فضل ليس للعبد فيه نية فهو عقل لا شيء له فيه، و لكنه يسأل عن فراغ وقته، و كل عمل فاضل للعبد فيه نية، فالعمل باطل و نيته هوى، و إنما وجد النية فيه