قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٧٠ - ذكر الحث على المحافظة على الصلاة و طريقة المصلّين من الموقنين
تعالى عنه قال على المنبر: إنّ الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام و ما أكمل للَّه تعالى صلاة. قيل: و كيف ذاك: لا يتم خشوعها و تواضعها و إقباله على الله تعالى فيها؟ و قال الله جلّ ذكره: وَ من أَصْدَقُ من الله حَدِيثاً [النساء: ٨٧]. حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من تشعبت به الهموم لم يبال الله تعالى في أي أوديتها هلك. و سئل أبو العالية عن قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥]. قال: هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف، على شفع أم على وتر؟ سئل الحسن عن ذلك فقال: هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى يخرج وقتها. و كان يقول: أما و الله لو تركوها لكفروا. و لكن سهوا عن الوقت. و قال بعض السلف فيها: هو الذي إن صلّاها في أوّل الوقت أو في الجماعة لم يفرح و إن صلّاها بعد الوقت لم يحزن. و قيل: هو الذي لا يرى تعجيلها برّا و لا تأخيرها إثما و يقال: إنّ الصلوات الخمس يلفق بعضها إلى بعض حتى يتم بها للعبد صلاة واحدة. و قيل: من الناس من يصلّي خمسين صلاة فيكمل له بها خمس صلوات و إنّ الله تعالى ليستوفي من العبد ما أمره به كما فرضه عليه و إلّا تممه من سائر أعماله النوافل لأنه ما فرض على العبد إلّا ما يطيقه بعونه إذ لم يكلفه ما لا طاقة له به برحمته. و روينا عن عيسى عليه السلام: يقول الله تعالى: بالفرائض نجا مني عبدي و بالنوافل تقرّب إليّ عبدي و قد جاء مثله عن نبينا صلى الله عليه و سلم: يقول الله: لا ينجو مني عبد إلّا بأداء ما افترضته عليه. و في الخبر المفسر: أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن وجدت كاملة و إلا يقول الله تعالى: انظروا هل لعبدي نوافل؟ فنتمّ فرائضه من نوافله؟ ثم يعمل بسائر الفرائض. كذلك يوفي كل فرض من جنسه من النفل، فإذا كانت النوافل في السهو و التقصير كالفرائض أو لم يوجد نوافل فكيف يكون حاله في الحساب؟ و كان ابن عباس يفسر قوله تعالى كلا لما يقض ما أمره قال: يعني به الكافر، لأن عنده أنّ كلّ موضع في القرآن يذكر به الإنسان خاصة أنه يعني به الكافر. و قد قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] يعني طاقتها. و قال سبحانه و تعالى مخبرا عن المؤمنين: وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به [البقرة: ٢٨٦]. في التفسير قد فعلت، و في هذه المسألة اختلاف و شبهة، و الصواب من ذلك أنّ الله عزّ و جلّ لا يكلف المؤمنين خاصة ما لا طاقة لهم به، فهم مخصوصون بذلك فضلا من الله تعالى و نعمة آثرهم بها على الكافرين، إذ له أنّ يؤثر بعض عباده على بعض لأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، و هذا مفهوم من دليل الخطاب من قوله: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به أن له تعالى أن يحمل الكافر ما لا طاقة له به