قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢١ - باب ذكر تفصيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما و ما جاء في معناه
المثل بها، لكنها خالصها وليها و مخصومة فيها. و لو أراد أنه يخرج من الإيمان لجعلها دائرتين منفردتين و لم يجعل إحداهما جوف الأخرى. و كذلك جاء الخبر: لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن، و لا يشرب الخمر و هو مؤمن، معناه كامل الإيمان أو مؤمن حقّا، لأن حقيقة الإيمان و كماله بالخوف و الورع، إذ الأمة مجمعة أنّ أهل الكبائر ليسوا بكافرين، و إذا فسق بالزنا و شرب الخمر خرج من حقيقة الإيمان، هو الخوف و الورع. و لم يخرج من اسمه و معناه، و هو التصديق و التزام الشريعة. و فيه معنى لطيف كأنه يرتفع عنه إيمان الحياء، لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: الحياء من الإيمان، و المستحي لا يكشف عورته على حرام. و يبقى إيمان الإسلام و التوحيد و إيجاب الأحكام. و قد روينا عن الحسن بيان ذلك أنه قال: الإيمان حقيقة الإسلام. و قيل لحذيفة: من المنافق؟ فقال: الذي يتكلّم بالإسلام و لا يعمل به فسمي علم الإيمان إسلاما و قرن القول. بالعلم و قال الثوري رحمه الله: الناس عندنا مؤمنون مسلمون في حدودهم، و فرائضهم، و في النكاح، و في المواريث، و في الصلاة خلفهم، و الصلاة عليهم، لا يحاسب الأحياء و لا يقضي على الأموات، و نكل ما لم نعلم من سرائرهم إلى الله تعالى، و نسمع بالتشديد فنخافه و نسمع اللين فنرجوه لأهل القبلة، و نتهم رأينا لرأي السلف قبلنا. و ما ذكرناه من أنّ الإسلام و الإيمان قرينان لا يفترقان، هذا مذهب فقهاء أصحاب الحديث و طريقة أئمة السلف رضي الله عنهم أجمعين. باب ذكر تفضيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما و ما جاء في معناه فأما ما حكي عن بعض أصحاب الحديث، أنه فرّق بين الإيمان و الإسلام فقال الزهري: الإسلام الكلمة، و الإيمان العمل. و قال عبد الرحمن بن مهدي و قد سئل عن الإيمان و الإسلام فقال: هما شيئان. و قال حمّاد بن زيد: الإسلام عام، و الإيمان خاص. فإن قول هؤلاء على جملة قولنا، و هو دليل له و شاهد عليه، و أنهم لم يفرّقوا بين الإيمان و الإسلام تفرقة اختلاف و لا تضاد، و لم يريدوا أنّ أحدهما يوجد و يصحّ بعدم الآخر ليواطئوا مذهب المرجئة، لأنهم أبعد شيء منهم، إذ هم أصحاب أثر و توقيف. و إنما فرّقوا بينهما تفريق تفاوت و تخصيص، أي أنّ الإيمان أخصّ و أعلى، لأن الزيادة و النقصان فيه، و الفضائل و المقامات عنه، و الاستثناء واجب فيه، و أنّ الإسلام عام لا يخرج منه إلّا الكافرون، إذ ليس وراءه شيء. و عند جماعة من العلماء أنّ الاستثناء غير واجب في الإسلام، لأنه محدود معلوم، فهذا كان قصد من فرّق بين الإسلام و الإيمان، و هي طريقة بعض السلف، و عبارة القدماء، و هو على نحو ما فصلناه و بمعنى ما بيناه. و إن كنا نحن