قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٩ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
الله صلى الله عليه و سلم إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء، و من لا يؤمن عاديته. و جمعه على رسول الله صلى الله عليه و سلم و تحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أنّ تكلم فيه فقيل له في ذلك. فقال: هذا أحمق مطاع، أو من يكثر عشيرته و أتباعه فيكون ظهيرا على المؤمنين، أو من فيه غنى للمسلمين و منفعة و عزة للمسلمين. فأما الأتباع و السفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء، بل كان يؤثر المؤمنين، يقدّمهم على أراذل المؤلفة و ضعفائهم، كما فعل بالقسم الذي قسمه بين المؤمنين فأعطاهم، إلا رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم يعطه و قال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. و الله ما عدل فقال: صلى الله عليه و سلم إن لم أعدل فمن يعدل؟ و كان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج. أ فلا تراه لم يعط هذا شيئا و لم يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين، و لا ممن يتقي بأسه أو يظهر في الإسلام غناه فيتألف بالعطاء، و هذا مثل قول فرعون حين ألجمه الله الغرق فاضطره إلى الإسلام بقوله: آمنت أنه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو إسرائيل، و أنا من المسلمين. أجمع أهل التفسير أنّ معناه من المستسلمين فإن قيل. فقد روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ما يدل على ضدّ هذا التأويل، و أنّ الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما، و هو أنّ في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال: إني لأعطي قوما و أمنع آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من الإيمان: منهم فلان. قيل: إنّ هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى الله عليه و سلم أفاده القائل لأنه بعث بجوامع الكلم. و كان يسأل عن الشيء فيخبر به و يزيد عليه البيان و الهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع عطائه و بضروب المعطين من الناس، هذا للحاجة، و هذا للفضل، و هذا للتآلف، لأن الذي منعه كان أفضل من الذي أعطاه، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان الإسلام أفضل من الإيمان، و لكان المسلمين أفضل من المؤمنين، و لم يقل بهذا أحد من العلماء. إلّا أنّ الإيمان خاص فيه التفاوت و المقامات، فهو يشتمل على الإسلام، و الإسلام داخل فيه، و المؤمنين هم خصوص المسلمين، منهم المقربون و الصديقون و الشهداء. و الإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين، و يدخل فيه أهل الكبائر و الأجرام. و لا يخرج منه من فارق الكفر و وقع عليه اسم الإيمان. كما قال تعالى: فَمَنِ افْتَرى عَلَى الله الْكَذِبَ [آل عمران: ٩٤] و أخبر عنه بالفسوق، وَ من أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى الله الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الصف: ٧]. فعلى إجماعهم أنّ الإيمان أعلى اسقاط وهم من توهّم أنّ الرجل كان أفضل. كيف و قد روينا تخصيص الإيمان عن النبي صلى الله عليه و سلم نصّا أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الإسلام. قيل: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان. فجعل الإيمان مقاما في الإسلام، ففي