قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت: تمنعوني أن أكون مع هؤلاء السابقين، فقالوا: هذا طريق لا يسلكه إلّا من لم يكن له إلّا قميص واحد، و من كل شيء واحد، و أنت لك قميصان و من الأشياء زوجان، قال: فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا. و قد كان حذيفة المرعشي يقول: منذ أربعين سنة لم أملك إلا قميصا واحدا. و كان كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الاوّل منهما، و كانوا يستعملون الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة، و هذا كله داخل في التحقق بالزهد و هو من فضائل المتوكلين. و الخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل إزاره دينارين، فقال: كيتان. و قد كان غيره من المسلمين يموت و يخلف عدة، فلا يقول له ذلك لأنّ هذا كان حاله الزهد و إظهار الفقر فعابه الادخار. ذكر التداوي و تركه للمتوكّل و تفصيل ذلك و لا ينقص التداوي أيضا توكل العبد لأنّ النبي صلى الله عليه و سلم أمر به، و أخبر عن حكمة الله تعالى فيه فقال صلى الله عليه و سلم: ما من داء إلّا و له دواء عرفه من عرفه و جهله من جهله إلّا السأم يعني الموت. و قال عليه الصلاة و السلام تداووا عباد الله. و سئل عن الدواء و الرقي. هل يرد من قدر؟ فقال: هي من قدر الله. و في الخبر المشهور: ما مررت بملإ من الملائكة إلّا قالوا: أمر أمتك بالحجامة. و في الحديث أنّه أمر بها فقال: احتجموا لسبع عشرة و تسع عشرة و إحدى و عشرين، و لا يبيغ بكم الدم فيقتلكم. و في ذكر تبيغ الدم دليل على توقيت هذا العدد من الأيام للحجامة، إلّا أنّه أريد به هذه الأيام من الشهر، و أحسبه لأهل الحجاز خاصة لشدة حرّ البلد، كقول عمر رضي الله عنه في الماء المشمس أنه يورث البرص. سمعت أن ذلك في أرض الحجاز خاصة. و كان من سيرة السلف أن يحتجموا في كل شهر مرة إلى أن يجاوز الرجل الأربعين و كانوا يستحبون الحجامة في آخر الشهر. و قد يروى في خبر منقطع: من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة. و قد روينا من طريق أهل البيت رخصة أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم كان يكتحل كل ليلة و يحتجم كل شهر و يشرب دواء كل سنة. و التداوي رخصة و سعة، و تركه ضيق و عزيمة، و الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه. و قد قال الله سبحانه و تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، أي ضيق. و ربما كان المتداوي فاضلا في ذلك لمعنيين: أحدهما أن ينوي اتباع السنّة، و الأخذ برخصة الله، و قبول ما جاءت به الحنيفية السمحة. و قد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم غير واحد من الصحابة بالتداوي و الحمية، و قطع لبعضهم عرقا،