قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
قوي سلك الطريق الأشد فهو أقرب و أعلى، و هذه للمقربين و هم السابقون. و من ضعف سلك الطريق الأرفه و هو الأوسط إلا أنه أبعد، و هو لأصحاب اليمين و هم المقتصدون. و في المؤمنين أقوياء و ضعفاء و لينون و أشداء. و روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم: المؤمن القوي أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف و في كل خير. و روي عنه صلى الله عليه و سلم: في المؤمنين من هو أشدّ في الله عزّ و جلّ من الحجارة، و فيهم من هو ألين من اللبن. و قال في وصف الأقوياء: مثل المؤمن كمثل النخلة لا يسقط ورقها. و قال الله تعالى في معنى ذلك: أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها في السَّماءِ [إبراهيم: ٢٤]. و قال صلى الله عليه و سلم: مثل المؤمن كمثل السنبلة تفيئها الرياح يمينا و شمالا. و قال عليه السلام في و صفة المؤمن المطعم مثل المؤمن، كمثل النخلة أكلت طيبا و وضعت طيبا. و قال في وصف المستطعم: مثل المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها. فأوصاف المؤمنين متفاوتة في الضعف و القوّة، و في الجبن و الشجاعة، و في الصبر و الجزع فشتان بين من شبه في القوّة و العلو بالنخلة، قلبه ثابت، و همه في السماء، يطعم جناه و لا يدّخر، إلى من شبه بالنملة في الضعف و الذي يستطعم و يحتكر. و قد فضل رسول الله صلى الله عليه و سلم قوما و مدحهم أنهم لا يسترقون، و لا يكتوون، و على ربهم يتوكلون، و ذكر أنهم يدخلون الجنة بغير حساب، فعلل بالتوكل و أخبر أنهم تركوا ذلك توكلا، ثم سأله عكاشة أن يدعو الله أن يجعله منهم، ففعل، لأنه رأى ذلك طريقه و رأى معه زاده، و شهد فيه القوّة فأهله لذلك. فلما قال له الآخر: ادع الله أن يجعلني منهم، و المقامات لا يقتدى بها و لا يتمثل فيها، كما لا تدعى، لأنها مواجيد قلوب باتحاد قريب و مشاهدات غيوب بإشهاد حبيب، فلما لم ير ذلك طريقه و لم يشهد معه زاده لم يؤهله لذلك، فأوقفه على حده و حكم عليه بضعفه، فرده ردّا جميلا، لأنه كان حبيبا كريما، فقال: سبقك بها عكاشة، فهذا كما يقول الحاكم الحكيم: إذا ضعف أحد الشاهدين زدني شاهدا آخر، و لا يصرح بجرح الشاهد و لو عدله لقبله، و لم يطلب الزيادة، و إلّا فالمقامات لا تضيق لمن سبق إليها. و الرسول غير بخيل مع قوله تعالى شاهدا له: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير: ٢٤]. و لكن لم ير فيه شاهد ذلك من القوّة، و تبين فيه الضعف عن الحمل فلم يخاطر به، و قد نهى عن الكي في غير حديث و قال لرجل أراد أن يداوي أخاه إلّا أنه مات من علّته، فقال: أما لو برأ لقلت برأته لعلمه بما يهجس في بعض النفوس أنّ الشفاء و النفع من فعل الدواء، و ذلك من الشرك فكره المحققون بالتوحيد التداوي خشية دخول ذلك عليهم. و روي عن موسى عليه السلام: يا رب ممن الدواء و الشفاء؟ قال: مني، قال: فما