قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
مواجيد العارفين ما حكي لنا أن موسى و الخضر عليهما السلام اجتمعا في فلاة من الأرض، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال له الخضر: اجلس بنا حتى ندعو، فتكلم الخضر بشيء، فأقبل ظبي حتى وقع بينهما نصفين: نصفه إلى الخضر مشويّا و نصفه إلى موسى نيّئا، فقال له الخضر: قم فاحمل هموما كما حملت همومها، فأوقد نارا و اشو نصيبك و كل، قال: فقدح موسى نارا و أشعل حطبا و سوّى نصيبه، فلما فرغ قال للخضر: كيف وقع نصفه إليك مشويّا؟ قال: إنه لم يبق لي في الدنيا أمل. و قيل عنه أيضا مرة أخرى: إنه ليس لي في هذه الخلق حاجة. و قد كان مذهب سهل أن ترك التداوي، و أن أضعف عن الطاعات، و قصر عن الفرائض أفضل من التداوي لأجل الطاعات. و كانت به علّة فلم يكن يتداوى منها، و قد كان يداوي الناس منها، و كان إذا رأى العبد يصلّي من قعود، أو لا يستطيع أعمال البرّ من الأمراض، فيتداوى للقيام في الصلاة، و النهوض إلى الطاعة، يعجب من ذلك و يقول: صلاته من قعود مع رضاه بحاله أفضل له من التداوي للقوة، و يصلّي من قيام. و سئل عن شرب الدواء فقال: كلّ من دخل إلى شيء من الدواء فإنما هو سعة من الله لأهل الضعف، و من لم يدخل في شيء منه فهو أفضل، لأنه إن أخذ شيئا من الدواء و لو كان الماء البارد سئل عنه: لم أخذت؟ و من لم يأخذ فليس عليه سؤال. و قال: من لم يأخذ الماء البارد فليس عليه سؤال، و قال: من يأخذ الماء البارد على سبيل الدواء سئل، و أصله في هذا أنّ عنده من أفضل الأعمال أن يضعف العبد قوّته، حتى لا يكون لنفسه حراك لأجل الله تعالى، و إنّ ذرّة من أعمال القلوب، مثل التوكل و الرضا و الصبر أفضل من أعمال جبال من عمل الجوارح، و هذا مذهب البصريين في إسقاط القوّة بالتجوع الطويل و الطي الكثير لتضعف النفس، لأنّ عندهم أن في قوة النفس قوة الشهوات و غلبة الصفات، و في ذلك وجود المعاصي و كثرة الهوى و طول الرغبة و الحرص على الدنيا و حب البقاء. يقول: إذا أدخل الله عليها الأمراض من حيث لا تحتسب، فلا يتعالج لرفع الأمراض عنها، فإنّ لا مرض من نهاية الضعف و من أبلغ ما ينقص به الشهوة. و قد كان يقول: علل الأجسام رحمة و علل القلوب عقوبة. و قال مرة: أمراض الجسم للصدّيقين. و قد كان ابن مسعود يقول: تجد المؤمن أصح شيء قلبا و أمرضه جسما، و تجد المنافق أصح شيء جسما و أمرضه قلبا. و عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: تحبون أن تكونوا كالحمر الصيالة، لا تمرضون و لا تسقمون. و قد قيل: لا يخلو المؤمن من علّة في جسمه أو قلة في ماله. و قيل: لا يخلو من غلبة أو ذلة، و للعبد إن لم يتداو أعمال حسنة، منها أن ينوي الصبر على بلاء الله تعالى، و الرضا بقضائه و التسليم لحكمه إذ قد حسن عنده لأنه موقن و إذ قد عرف الحكمة في