قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
ذلك و الخيرة في العاقبة، لأنه حكيم. و منها أنّ مولاه أعلم به منه و أحسن نظرا و اختيارا، و قد حبسه و قيده بالأمراض عن المعاصي. كما روي عن الله تعالى: الفقر سجني و المرض قيدي، أحبس بذلك من أحبّ من خلقي، فلا يأمن إن تداوى فعوفي أن تقوى النفس فيفسده هواها، لأنّ المعاصي في العوافي، و علّة سنة خير من معصية واحدة. لقي بعض الناس بعض العارفين، فقال له العارف: كيف كنت بعدي؟ قال: في عافية فقال: إن كنت لم تعص الله فأنت في عافية، و إن كنت قد عصيته فأي داء أدوى من المعصية ما عوفي من عصى. و قال عليّ رضي الله عنه لما رأى زينة النبط بالعراق يوم عيدهم: ما هذا الذي أظهروه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد لنا. و قال الله تعالى و هو أصدق القائلين: وَ عَصَيْتُمْ من بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]. قيل: العوافي و الغنى. و قال بعضهم: إنما حمل فرعون أن قال: أنا ربكم الأعلى طول العوافي، لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، و لم يحم له جسم، و لم يضرب عليه عرق، فادّعى الربوبية، و لو أخذته الشقيقة و المليلة في كل يوم لشغله ذلك عن دعوى الربوبية و اعلم أنّ الإنسان قد يطغى بالعوافي كما يطغى بالمال، لأنه قد يستغني بالعافية كما يستغني بالمال، و كل فيه فتنة. و قد قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦- ٧]. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة و الفراغ. و العصمة في حال العافية نعمة ثانية، كالعصمة في الغنى نعمة النعمة. و هذا أحد الوجوه في قوله عزّ و جلّ: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في حَياتِكُمُ [الأحقاف: ٢٠]. و منها أنّ الأمراض مكفرة للسيّئات، فإذا كره الأمراض بقيت ذنوبه عليه موفورة. و في الخبر: لا تزال الحمى و المليلة بالعبد حتى يمشي على وجه الأرض و ما عليه خطيئة. و في خبر: حمى يوم كفّارة سنة. و أحسن ما سمعت في معناه، قال: لأنّ حمى يوم تهد قوة سنة. و قيل: في الإنسان ثلاثمائة و ستون مفصلا، يدخل حمى يوم في جميع المفاصل فيكون له بكل مفصل كفّارة يوم. و لما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم: كفّارة الذنوب بالحمى. سأل زيد بن ثابت ربّه أن لا يزال محموما، قال: فلم تكن الحمى تفارقه في كل يوم حتى مات. و سأل ذلك طائفة من الأنصار. و كذلك لما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أذهب الله كريمته لم يرض له ثوابا دون الجنة، قال: فقد رأيت الأنصار يتمنّون العمى، و لما جاءت الحمى رسول الله صلى الله عليه و سلم تستأذن عليه قال: اذهبي إلى أهل قباء، و هذا أحد الوجهين في قوله تعالى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] أي بالأمراض من الذنوب. و عن