قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠ - ذكر التداوي و تركه للمتوكل
عيسى عليه السلام يقول: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب على جسده، و ما له لما يرجو في ذلك من كفّارة خطاياه، و الصدّيقون يبتلون بعلل الجوارح، و المنافقون يبتلون بأمراض القلوب، لأن في أمراض الأجسام ضعفها عن الآثام و الطغيان، و في أمراض القلوب ضعفها عن أعمال الآخرة و الإيقان و في معنى قوله عزّ و جلّ: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [لقمان: ٢٠]، قيل ظاهرة العوافي و باطنة البلاوي لأنها نعم الآخرة. و روي أنّ موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: يا ربّ ارحمه، فأوحى الله عزّ و جلّ إليه: كيف أرحمه؟ ممّا به أرحمه؟ و قد قال الله و هو أصدق القائلين في تصديق هذا المعنى: وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ من ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون: ٧٥] فأخبر أنّ في ترك الرحمة لهم لطفا و رحمة. و روينا عن عبد الواحد أنه خرج في نفر من إخوانه إلى بعض نواحي البصرة، فآواهم المسير إلى كهف جبل، فإذا فيه عبد مقطع بالجذام يسيل جسده قيحا و صديد الأطباخ به، فقالوا: يا هذا، لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الداء الذي بك، فرفع طرفه إلى السماء، و قال: سيدي، بأي ذنب سلطت هؤلاء عليّ يسخطوني عليك، و يكرهون إلي قضاءك، سيدي أستغفرك من ذلك الذنب، لك العتبي إني لا أعود فيه أبدا. قال ثم أعرض بوجهه فانصرفنا و تركناه. و في الحديث: نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على قدر إيمانه، فإن كان صلب الإيمان شدّد عليه البلاء، و إن كان في إيمانه ضعف خفف عليه البلاء. كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، و منهم دون ذلك. و منهم من يخرج أسود محترقا. و قد روينا حديثا من طريق أهل البيت: إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، و إن رضي اصطفاه. و منها أنّ الملك يكتب له مثل أعماله الصالحة التي كان يعملها في صحته، و أنه يجري له الحسنات، مثل ما كان يجري له على أعمالهم، فيكتب الملك له أعمالا صالحة خيرا له من أعماله، لأنّه قد يدخلها الفساد. و اختيار الله له أن يستعمله بالأوجاع، خير له من اختياره لنفسه أن يستقل إلى الله بالأعمال الصالحة، و هذا أحد المعنيين. في معنى الخبر: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس. قيل: هو ما دخل عليها من المصائب في الأنفس و الأموال، فهي تكره ذلك و هو خير لها. و من هذا المعنى قوله تعالى: وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦]. قد يكره العبد الفقر و العيلة و الضر و الخملة، و هو خير له في الآخرة و أحمد عاقبة. و قد يحب الغنى و العوافي و الشهرة و هو شرّ له عند الله و أسوأ عاقبة.