قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٣ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و حدثونا عن يحيى بن معاذ قال: فقدنا ثلاثا فما نراها و لا أراها تزداد إلا عزة، حسن الوجه مع الصيانة، و حسن القول مع الديانة، و حسن الأخاء مع الوفاء، و قد سمع من الصحابة غير عبد الله بن جعفر أربعة منهم: ابن الزبير و المغيرة بن شعبة و حدثونا عن إبراهيم بن أدهم قال: طفت ذات ليلة بالبيت، و كانت ليلة مظلمة ذات مطر و رعد، فخلا الطواف، فلما انتهيت إلى الباب قلت: اللّهم اعصمني حتى لا أعصيك أبدا. قال: فسمعت قائلا يقول: من جوف البيت يا إبراهيم أنت تسألني أن أعصمك و كل عبادي يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلي من أتفضل و لمن أغفر؟ و في خبر وهب من منبه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أنك تكثر مسألتي و لا تسألني أن أهب لك الشوق. قال: يا رب و ما الشوق؟ قال: إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني، و أتممتها بنور وجهي، فجعلت أسرارهم موضع نظري إلى الأرض، و قطعت من قلوبهم طرقا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل يوم شوقا إليّ، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خرّوا لي سجّدا فأقول: إني لم أدعكم لعبادتي، ارفعوا رءوسكم أركم قلوب المشتاقين إليّ فو عزّتي و جلالي إنّ سماواتي لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، معنى قول لداود عليه السلام: و لا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي الأنبياء كما غلط في هذا بعض الناس. ففضّل العارف على النبي، و لكنه ذكر ذلك لداود عليه السلام ليسأله إياه فيعطيه، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق إليه، فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين، و إنما أراد أن يجعل ذلك على لسانه ليريه فضل مكانه، و يظهر له ذلك عن مسألته ليفضله و يشرفه بسرعة إجابته، كما أنّ قول داود عليه السلام: و ما الشوق؟ ليس أنه لم يعرف الشوق و قد أتاه الحكمة و النبوّة، و لكن سكت بين يديه استحياء منه، و اعترف لديه بالجهل لأنه عند علاّم الغيوب، و أراد أن يسمع منه حقيقة وصفه لأنّه أصدق القائلين و أمدح الواصفين. و أما الغيرة فحال سنية من أحوال المحبين، لأنه قد أظهرهم على معاني نفسه فضنوا بها لما امتلأت بها قلوبهم، و حارت فيها عقولهم، إلا أنّ هؤلاء خصوص أصحاب اليمين، و هم عموم المحبين، إلّا إنّه إذا رفعهم إلى مقام التوحيد فأشهدهم الإيجاد بالوحدانية و الانفراد بالفردانية نظروا، فإذا هو لم يعط منه لسواه شيئا و لا أظهر من معانيه وصفا، فانطوت الغيرة من توحيدهم لما عرفوا بيقين التوحيد أنه ما نظر إليه سواه، و لا عرفه إلّا إيّاه، فتسقط هممهم بالغيرة عليه، و عرفوا حكمته بتعريفه أنواع ما يظهر و أقسام ما ينشر، و أنه في غيب غيبه لا يظهر عليه سواه و في سرّ سرّه لا يشهده إلّا إيّاه، فقام لهم مقام المعرفة