قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٢ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
فحمله ذلك عن الطعام، و أغناه عن الأنام، فهذا لا يصلح إلا لقلب صاف من الأكدار، نقيّ نظيف من الآثام. و من شهد فيه خلقا فذلك علامة كدر قلبه. و من أحدث فيه لعبا و لهوا فهو دليل نقص لبه. حدثني بعض الشيوخ عن شيخ له قال: رأيت أبا العباس الخضر فقلت: ما تقول في هذا السماع الذي يختلف فيه أصحابنا؟ فقال: هو الصفا الزلال لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء. و قد صدق في قوله: لأنّا روينا عن نبينا صلى الله عليه و سلم: أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية و النغمة الملهية، و أنّ حماد روى عن إبراهيم: الغناء ينبت النفاق في القلب. و عن مجاهد: و من الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله قال: الغناء و هداكما. قالاه: لأنّ سماع الغناء حرام و أجور المغنيات و أثمانهن حرام. و الفرق بين الأغاني و القصائد أنّ الأغاني ما شبّب به النساء و ذكر فيه الغزل، و وصفن به، و شهدن منه، و دعا إلى الهوى، و شوّق إلى اللهو. فمن سمع من حيث قال القائلون بهذه المعاني فالسماع عليه حرام، و القصائد ما ذكر باللَّه، و دلّ عليه، و شوّق إليه، و أهاج مواجيد الإيمان، و أثار مشاهدات العلوم، و ذكر به طرقات الآخرة و مقامات الصادقين. فمن سمع من حيث شهد بهذه الشهادة فهو من أهله إذ له نصيب منه. و قال الله سبحانه: و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون. فالكلام روحان، منثور و منظوم، فالمنثور كلام العلّامة، و المنظوم كلام الشعراء. فما ذكر به الله و يذكر منه فهو طريق إليه. و لم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في أفضل أيام السنة و هي الأيام التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها، أيام التشريق من وقت عطاء بن أبي رباح إلى يومنا، هذا ما أنكره عالم، و قد كان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما، و يحمل القول في السماع أنّ من سمع فظهرت عليه صفات نفسه و ذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام، و من سمع فظهر له به ذكر ربّه، و تذكر به أجل ما شوّقه الله إليه و أعده لأوليائه، فهو له ذكر من الأذكار. و سئل عالمنا رحمه الله فقيل له: بلغنا أنك تنكر السماع. و قد كان الجنيد و سري السقطي و ذو النون يسمعون فقال: كيف أنكر السماع و قد سمعه عبد الله بن جعفر الطيار، يعني ابن أبي طالب، و إنما أنكر اللهو و أنكر اللعب في السماع، و لعمري أنّ هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد كانوا يسمعون، و لكن كان منهم من سمع السرّ دون العلانية، و منهم من كان يسمع مع إخوانه و نظرائه دون الأتباع و الأصحاب، و كانوا يقولون: لا يصحّ السماع إلا لعارف مكين، و لا يصلح لمريد مبتدئ و كان بعض العلماء قد ترك السماع فقيل له. فقال: ممن؟ فقيل له: فأنت. فقال: مع من كانوا لا يسمعون إلا من أهله و مع أهله.