قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٩ - تفسير قوله نية المرء خير من عمله
على عمل لا أزال فيه عاملا للَّه تعالى فإني أحبّ أن لا تجيء عليّ ساعة من ليل أو نهار إلّا و أنا عامل من عمال الله تعالى. فقيل له: قد وجدت صاحبك اعمل الخير ما استطعت، فإذا أقترت أو تركته فهمّ بعمله، فإن الهامّ بعمل الخير كعامله. و روينا عن عيسى عليه الصلاة و السلام: طوبى لعين نامت و لا تهمّ بمعصية و انتهت إلى غير إثم. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: من همّ بحسنة و لم يعملمها كتبت له حسنة، و من همّ بسيّئة و لم يعملها كتبت له حسنة، و قد جاء في الخبر المشهور «نية المرء خير من عمله». تفسير قوله نية المرء خير من عمله فيه عشرة أوجه، قيل: إنّ النية سرّ و أعمال السرّ تضاعف. و قيل: لأنها غيب لا يطلع عليها غير الله تعالى. و الظواهر مشتركة. و أيضا فإن الله عزّ و جلّ يهبها للعبد خالصة لا يشوبها شيء إذا وهبها، و لا يدخل عليها الآفات، فهذا عطاء مهيأ و سائر الأعمال مدخر له. و أيضا لأنها من شرط العمل حتى لا يصحّ عمل إلّا بها و هي تصحّ بمجردها. و كان عبد الرحيم بن يحيى الأسود يقول: معنى قوله نية المرء خير من عمله يعني إخلاصه في العمل خير من العمل. قال: فالإخلاص بغير عمل خير من عمل غير مخلص و النية عنده: هو الإخلاص نفسه، و عند غيره: هو الصدق في الحال باستواء السريرة و العلانية، و قد قال الجنيد رحمه الله تعالى في الفرق بين الإخلاص و الصدق معنى لطيفا لم يفسره و يحتاج إلى تفسير. حدثنا بعض الأشياخ عنه قال: شهد جماعة على رجل بشهادة فلم تضرّه و كانوا مخلصين، و لو كانوا صادقين لعوقب، يعني أنّ صدقهم أن لا يعملوا عمله أو مثل عمله الذي شهدوا به عليه، فهذا صدق الحال، و هو حقيقة النية و إخلاصها عند المحققين. و قد قيل في معنى قوله: نية المرء خير من عمله لأن نية المؤمن دائمة متصلة، و الأعمال منقطعة، و بالنية خلد أهل التوحيد في الجنة، و خلد أهل الشرك في النار لدوام نياتهم على التوحيد و دوام نيات الآخرين على الشرك مدة الدهر، فهذه المعاني كلها على هذا الوجه الذي يقول فيه: إنّ معناه أنّ النية خير من العمل، و فيه وجه آخر يكون الكلام فيه على التقديم و التأخير أي نية المؤمن هي من عمله خير، كأنه قال: هي بعض أعماله الخير. فهذا كقوله تعالى: ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها [البقرة: ١٠٦]، معناه نأت منها بخير. و كما قال: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الأعراف: ١٨٧]،