قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٠٩ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
يجزأ منه، يعني غنيمة لا يعتاض منها بعطاء، الحديا هي العطاء، و منهن غل لا يفدي منه أي لا قيمة له فيفدى منه و يجوز أنّ لا راحة منه كالغل، فصاحبها أسير بحبها لا يفتدي أبدا إلّا بموتها و قال أيضا: قيل: كانت العرب من نهاية تعذيبها للأسير تسلخ جلد الشاة ثم تلبسه إياه لحما طريا، فيلتزق على جسده و ينقض، ثم لا تنزعه عنه حتى يقمل و ينتثر منه الهوام، فذلك، هو الغل مثل المرأة المكربة، و اعلم أنّ النساء على أوصاف النفس. من عرف صفات النفس عرف بها أوصاف النساء، و قاساهن بالتجربة. و الخبر: عرف بذلك صفات النفس: فمنهن المسوّلة و هي أدناهن، و منهن الأمارة بالسوء و هي شرهن لا تستر من الأذى و لا تني عن خلق السوء و البذاء، و منهن بمنزلة النفس اللوّامة و هي من صالحي النساء، و منهن المطمئنة المرضية و هذه هي الصالحة الخيّرة الساكنة الراضية. و فصل الخطاب: إن كان صلاح قلب العبد و استقامة حاله في بالعزبة فلا أعدل بالوحدة شيئا، لأن أقل ما فيها السلامة، و السلامة في وقتنا هذا فضيلة و غنيمة، و إن تاقت نفسه إلى التزويج و لم يأمن دواعي الهوى فيتزوج إذا أدى إلى سلامة دينه، و إن لم تتم كفايته بواحدة ضم إليها أخرى فإن لم تكن بهما غنيمته و تمام حاله و تحصينه زاد ثالثة إلى أربع، فإن الأربعة مع توقان النفس إلى النكاح و قوة شهوتها في التنقل في المناكح بمنزلة الواحدة، و إنّ الواحدة مع وقوع الكفاية و وجود الاستغناء تنوب عن الأربع. كذلك خير الله عزّ و جلّ صورة النفس فيما عليه جبلها، و فاوت بين الطبائع فيما عليه جعلها، يقال: إنّ الله عزّ و جلّ أباح الجمع بين الأربع لأجل الطبائع الأربع، لكل طبيعة واحدة على قدر حركاتها و توقان النفس عندها، و لا نقص على العبد في ذلك إذا قام بما عليه لهن أو سمحن بحقوقهن من النفقة و المبيت له، بل ذلك مزيد له. و دلالة على قوته و تمكنه في الحال، و هذه طرائق الأقوياء و الأئمة من الرجال، و أيضا فإنّ الله عزّ و جلّ ما أنعم به من امتطاء الأربع من النساء من الحكمة، و تلوين الطبع في الصنعة مثل ما أنعم به من تكوين سيرة المطايا، التي جعلهن مراكب عباده. فجعل تفاوت تكوين وطء الأربعة بمنزلة تغاير مشي دواب البر الأربعة فقال عزّ و جلّ: وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً [النحل: ٨]. و قال عزّ و جلّ: من الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢]. يعني الإبل، فسير الناقة غير سير الفرس، و سير البغل مخالف لمشي الحمار، و كذلك جعل لمن جمع الأربع بالوطء ما لا يجعل بالآحاد و المثنى و الثلاث، فحسن ذلك و أباحه لمن جمع بينهن أربعا كإطلاقه لمن جعل له المطايا أربعة ينتقل على دابة بعد دابة. فكان له فرس و بغل و حمار إذا اتسع بذلك و أقام بمئونتهن، و قد يكتفي