قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٣ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
من راقب الناس مات غمّا و فاز باللذّة الجسور و نظر أبو محمد سهل إلى رجل من الفقراء فقال له: اعمل كذا و كذا فقال: يا أستاذ لا أقدر على هذا لأجل الناس، فالتفت إلى أصحابه فقال: لا ينال العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين: عبد يسقط الناس عن عينه فلا يرى في الدار إلّا هو و خالقه، و أنّ أحد لا يقدر أن يضره و لا ينفعه، أو عبد أسقط الناس عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه. و حدثونا عن إمام الأئمة الحسن بن يسار البصري رحمه الله أنّ رجلا قال له: يا أبا سعيد إنّ قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك، و لا الأخذ عنك، إنما همهم تتبع سقط كلامك و تعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك، فتبسم الحسن ثم قال: هوّن عليك يا ابن أخي فإني حدثت نفسي بسكنى الحنان، فطمعت و حدثت نفسي بمعانقة الحور الحسان، فطمعت و حدثت نفسي بمجاورة الرحمن، فطمعت و ما حدثت نفسي قط بالسلامة من الناس، لأني قد علمت أنّ خالقهم و رازقهم و محييهم و مميتهم لم يسلم منهم، فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم، و بمعناه ما روي عن موسى صلى الله عليه و سلم أنه قال: يا ربّ احبس عني ألسنة الناس، فقال الله تبارك و تعالى: يا موسى هذا شيء لم أفعله لنفسي، فكيف أفعله بك. و في لفظ آخر: لو خصصت بهذا أحدا لخصصت به نفسي. و قد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: ما من يوم أصبح فيه حيّا و أمسي و لا يرميني فيه الناس بداهية إلّا عددته نعمة من الله تعالى عليّ و أنشد: و إن امرأ يمسي و يصبح سالما من الناس إلّا ما جنا لسعيد و أوحى الله عزّ و جلّ إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأن أجعلك علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين. و مثله روينا عن عيسى عليه السلام أنه كان يقول يا معشر الحواريين، إن أردتم أن تكونوا إخوانا فوطنوا نفوسكم عند العداوة و البغضاء من الناس. و قد جعل الله تبارك و تعالى في المخالطة للمؤمنين من البركة، ما لو لم يجيء فيه الأثر إلا هذا، كان فيه كفاية. و روينا أنّ النبي صلى الله عليه و سلم لما طاف بالبيت عدل إلى زمزم ليشرب منها، فإذا التمر المنقع في الحياض الآدم قد مغثه الناس بأيديهم و هم يتناولون منه يشربون فاستسقى منه فقال: اسقوني فقال العباس: يا رسول الله إنّ هذا النبيذ شراب قد مغث و حيض بالأيدي، أ فلا آتيك أنظف من هذا في جرّ مخمر في البيت فقال: لا اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس، ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب. و روينا في خبر آخر قيل: يا رسول الله، الوضوء من جرّ مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال: بل من هذه المطاهر التماس بركة أيدي المسلمين. و روينا في الخبر: إذا التقى