قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٢ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
محمد صلى الله عليه و سلم كان يشتري الشيء فيحمله بنفسه، فيقول له صاحبه: أعطني أحمله عنك فيقول: صاحب الشيء أحقّ بحمله، و كان الحسن بن علي عليهما السلام يمر على السؤال في الطريق، و بين أيديهن كسر ملقاة في الأرض، فيسلم عليهم فيقولون: هلمّ الغداء يا بن بنت رسول الله، فيثني رجله عن بغلته و ينزل، فيقعد معهم على الأرض و يأكل، ثم يركب و يقول: إن الله تبارك و تعالى لا يحب المستكبرين ثم يدعوهم بعد ذلك إلى منزله فيقول للخادم: هلمي ما كنت تدخرين فيأكلون معه، و روينا في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة و ستين مصنفا في الحكمة، حتى ظن أنه نال منزلة عند الله تعالى، فأوحى الله إلى نبيه: قل لفلان أنك قد ملأت الأرض نفاقا، و إني لا أقبل من نفاقك شيئا، قال: فتخلى و انفرد في سرب تحت الأرض و قال: قد بلغت محبة ربي فأوحى الله عزّ و جلّ إلى النبي، قل له إنك لم تبلغ رضاي قال: فدخل الأسواق و خالط العامة و جالسهم، و أكل الطعام بينهم و مشى في الأسواق معهم، فأوحى الله تبارك و تعالى الآن حين بلغت رضاي، فلو أيقن اليائس المتصنع للخلق، الأسير في أيديهم، الرهين لنظرهم، أنّ الخلق لا ينقصون من رزق، و لا يزيدون في عمر، و لا يرفعون عند الله، و لا يضعون لديه، و أنّ هذا كله بيد الله عزّ و جلّ، لا يملكه سواه، و لو سمع خطاب المولى لاستراح من جهد البلاء، إذ يقول الله عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله [الأعراف: ١٩٤]. لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه، مع قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [الأعراف: ١٩٤] فلو عقل ذلك لطرح. الخلق عن قلبه اشتغالا بمقلبه، و لأعرض عن الناس بهمه نظرا منه إلى مهمه، و أظهر حاله و كشف أمره تقويا بربه و غنية بعلمه، فلم يبال أن يراه الناس على كل حال يراه فيه مولاه، إذا كان لا يعبد إلّا إياه و لا يضره و لا ينفعه سواه، فعمل ما يصلحه و إن كان عند الناس يضعه، و سعى فيما يحتاج إليه و إن كان عند المولى يزري عليه، و لكن ضعف يقينه فقوى إلى الخلق نظره، و أحب أن يستر عنهم خبره لإثبات المنزلة عندهم، و لاستخراج الجاه لنفسه، فيفخر بالخيلاء و العجب، فموه بحال على من لا حال له، و وهم بمقام عند من ليس له مقام، و اعتقدوا فضله بذلك لنقصهم، و توهموا به علمه لجهلهم، و لو صدقوا الله لكان خيرا لهم، حدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي رضي الله عنه: و الله ما أقول لك إلّا نصحا، أنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل، فانظر ما يصلحك فافعله. و حدثونا عن الثوري قال: رضا الناس غاية لا تدرك، فأحمق الناس من طلب من لا يدرك و قد قال بعض الحكماء في معناه قولا منظوما: