قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩١ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
القلوب و سلامة العقول لأن إليها الأمر مردود، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الآخر دل عليه التزين له و التصنع عنده لتعلو منزلته و يحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك و يخرجه الشرك عن حقيقة التوحيد، فتزل قدم بعد ثبوتها و يسقط من عين مولاه، فلا يتولاه لأن النفس مبتلاة بحب الثناء و المدح و إثبات المنزلة بإظهار الوصف، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أشأم الناس عليه و أضرّهم له، و يصير أحدهما بلاء على صاحبه، فليفارقه حينئذ لأنّه جاهل و لا يصحبه، فإنه يجد النقصان و تدخل عليه الآفات بمقارنته، فلينفرد بنفسه فيصدق في حاله عالية كانت أو دنيئة، وضيعة كانت أم رفيعة، من غير مقارنة أحد و لا مباينة فهو خير له و أحمد عاقبة، و هذا باب لطيف قد هلك فيه خلق كثير على ضربين منهم، من صاحب و آخى و بايت على هذه العلل فساكنها، و من هذه الآفات فقارنها الضعف يقينه و قوة هواه، و كبر الناس في عينه و عظم قدر الدنيا مما يناله منهم في قلبه، فهلك بالتزين و التصنع و أهلك أخاه بنحو ذلك، و الضرب الثاني من المتعبدين المعروفين بالستر و الصلاح، خافوا و لم يحبوا أن يظهروا على حالهم كراهة الذم و خيفة النقص لهم، فلم يحبوا أن يختبروا بالمباينة و لا ينكشفوا في المصاحبة، و لا تعرف أحوالهم بطول الممارسة، و أحبوا مع ذلك أن يشار إليهم من بعيد و يتوهم فيهم العبادة من غير طول ملاقاة، فأظهروا التفرد و العزلة، و تركوا المباينة و الصحبة، و أنكروا هذا و عابوه، يريدون أن يبينوا بذلك عن نظرائهم و ينفردوا به عن جملة الخلق بدعوى الحال، ليختصوا بغيرها عندهم من غير حال، و لا انقطاع إلى الله سبحانه، و لا اشتغال، و لقلة معرفة العامة بأحوال الصادقين، فهلك أيضا بالمباينة و غربة الحال و ترك السنة من إجابة الدعوى، و مخالطة الأمة كبرا و تطاولا على العامة، و تمويها منهم على من لا يعرف سيرة الأمة، و أوهم بذلك أنه مشغول عنه بسلوك الطريق، لعلمه أنهم لا يعرفون محجة التحقيق، و لعلّه مشغول بهم و أنهم و وساوس قلبه، و هو في ذلك منكشف للصادقين ظاهر جلي للعارفين، و قد جاء في مخالطة المسلمين، و في الأكل مع الإخوان و الاختلاط بالعامة، و المشي في الأسواق و اشتراء الحوائج، و حملها للتواضع ما يكثر رسمه و يطول وصفه و كذلك كان سيرة الصحابة و شيمة التابعين بإحسان منهم، عمر رضي الله عنه، كان يحمل القربة على ظهره لأهله، و عليّ رضي الله عنه كان يحمل التمر و الملح في ثوبه و يده و يقول: لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله و منهم أبي و ابن مسعود و حذيفة و أبو هريرة، كانوا يحملون حزم الحطب و جرب الدقيق على أكتافهم و ظهورهم، و سيد المرسلين و إمام المتّقين، و رسول رب العالمين