قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٠ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و يقول: لو كان حاضرا لاتّسعت و أكلت رغدا للورع الذي فيه، و النصح و الإيثار لأخيه فرحم الله عزّ و جلّ تضايقهم و شكر تورعهم، فأطلق لهم الإذن و وسع عليهم في الأكل فقال عزّ و جلّ: وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١]. أي لا إثم و لا ضيق أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم، ثم نسق الأقارب على ترتيب الأحكام، و ضمّ إليهم الأخ لما وصفه بتمليكه مفاتحه أخاه، فأقام ذلك مقام ملك أخيه، لأنه أقام أخاه مقامه فقال تعالى: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ [النور: ٦١]. ثم أخر الصديق بعده إذ لم يكن بحقيقة وصفه، ثم قال عزّ و جلّ: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً [النور: ٦١]. بحضرة الإخوان أو أشتاتا في حال تفرقهم، فسوى بين غيبتهم و شهودهم لتسوية إخوانهم بينهم و بين أملاكهم، و استواء قلوبهم مع ألسنتهم في البذل و المحبة، لتناول المبذول و هذا تحقيق وصفه عزّ و جلّ لهم في قوله تعالى: وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]. و قال بعض الأدباء: إذا ائتلف الإخوان جماعة، ثم اجتمع بعضهم على لذّة و فقد البعض نقص من اللذة بمقدار من نقص منهم، و هذا يكون بوجود الأنس بهم و مواصلة الذكر، و روينا أنّ مالك بن دينار و محمد بن واسع دخلا منزل الحسن و كان غائبا، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت السرير فجعل يأكل، فدخل الحسن فقال: هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض و اعلم أنه ليس بين الأخوين و الصاحبين رياء في أعمالهما، و إن تراءى برأي العين أعمالهم لهم ثواب السرّ و الخلوة، لأنهما كالأهل في الحضر و كالصحابة في السفر، و ليس بين الرجل و أهل بيته و لا بين المسافر و رفقائه رياء و لا سمعة، و لا عليه منهم اختفاء و لا خلوة، فإن صحبه أخوه هذا في سفر كانت حرمته عليه ألزم و حقه أوجب، فينبغي أن لا يخالفه و لا يعترض عليه إن أحب النزول في منزل لم يكره أخوه ذلك، و إن اختار أحدهما الرحيل لم يحب الآخر المقام، و إن سار أحدهما لم يقف صاحبه، و إن استراح الآخر وقف له رفيقه، و إن اشترى شيئا لم ينهه عنه، و لا يستأثر بمطعوم و لا مشروب بل يؤثره بذينك. و في الخبر: ما اصطحب اثنان قط إلّا كان أحبهما إلى الله عزّ و جلّ أرفقهما بصاحبه. و روينا أيضا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه دخل غيضة مع بعض أصحابه، فاجتنى منها سواكين من أراك، أحدهما معوج و الآخر مستقيم، فحبس المعوج لنفسه و دفع المستقيم إلى صاحبه فقال: يا رسول الله أنت كنت أحق بالمستقيم فقال: ما من صاحب يصحب صاحبا و لو ساعة من نهار، إلّا سأله الله عن صحبته هل أقام فيه حق الله تعالى أو أضاعه، و من كان ناظرا في أخوة أخيه أو في صحبته إلى كثرة أعماله، أو واقفا مع أكمل أحواله، دل على جهله بهذا الطريق الذي ينفذ إلى التحقيق لأنها تحول، و إنّما المعول على حقائق