قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣١٥ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
دعاكم و أنكم تأكلون طعامه ففي حرج، أو قال: حرام على من لم يشهده في فعله أن يأكل. قال: فقاموا كلهم فخرجوا و لم يستحلوا الأكل، إذ كانوا لا يرونه في الفعل إلّا غلاما حدثا، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته و لم ينفذ نظره العبارة و المعنى لقائله مثله أو نحوه: و إن دعاك أخوك و أنت صائم فعلمت أنه يسرّ بأكلك فلا بأس أن تفطر لأجله، فإن لم تعلم ذلك منه و قال لك: أنا أسرّ بأكلك فصدقه و أحسن به الظنّ، و إن لم تعلم ذلك منه و لم يلفظ به لساني فإني أكره خروجك من عقد الصوم لغير نية، هي أبلغ منه أو مثله، فصومك حينئذ أفضل. و إن أكلت مع أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة. قد كان بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل مع إخوانه و يحتسب في أكله ما يحتسب في صومه. و روينا عن ابن عباس أنه قال: من أفضل الحسنات إكرام الجلساء. و من لم يرد أن يطعم قوما من طعام فلا يظهرهم عليه و لا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو لم يأكله. و كان الثوري يقول: إذا أردت أن لا تطعم عيالك من شيء تأكله فلا تحدثهم به و لا يرونه معك. و ينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة نيّات سبع، إذ الأعمال بالنيّات و لكل امرئ ما نوى، إذ الإجابة من الأعمال. فمن نواها دنيا كانت له دنيا لعاجل حظه، و من أراد بها آخرة فهي له آخرة بحسب نيته، و إن لم تحضر نية أو اعتلّ بفسادها توقف حتى يهيء الله عزّ و جلّ له نية صالحة تكون الإجابة عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية، لأنها من أفاضل الأعمال، فتحتاج إلى أحسن النيّات لوجود العالم فيها فتكثر بها الحسنات، و لفقد الهوى منها فيسلم فيها من السيئات و إلّا كانت إجابته هزوا، و كان عاملا في باب من أبواب الدنيا. و ساعيا ف حظّ نفسه و ملء جوفه و قد قال الرسول عليه السلام: من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فيصير مأزورا بفساد النية، أو يكون غير مأجور لعدمها. فأول النيات طاعة الله تعالى و طاعة رسول الله صلى الله عليه و سلم لقوله عليه السلام: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم. و الثانية إقامة سنته لقوله عليه السلام: لو دعيت إلى كراع لأجبت و هو موضع على أميال من المدينة أفطر رسول الله صلى الله عليه و سلم في رمضان لما بلغه و قصر عنده في سفره، و قال في الخبر الآخر: لو دعيت إلى ذراع لأجبت، فهذا ظاهر في الإجابة عن القليل، و الأول محتمل في الإجابة إلى الموضع البعيد. فقد نقل أنّ في التوراة أو في بعض الكتب سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيّع جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله عزّ و جلّ. فبعد في إجابة الدعوة و فضّلها على العبادة و شهود الجنازة لأن فيها قضاء حق