قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٤٤ - ذكر ما جاء في فعل بعض ذلك و استحبابه
أشد تواضعا منه على علمه و زهده. فأما معنى الخبر الذي روي لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم، فإذا أتاهم عن أصاغرهم هلكوا. فإن ابن المبارك سئل عن معنى ذلك فقال: أصاغرهم أهل البدع لأنه لا صغير من أهل السنّة ممن عنده علم. ثم قال: كم من صغير السن حملنا عنه كبير علم. و قد قيل: إنّ قوله عن أكابرهم يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهذا مواطئ للخبر الآخر: لا تزال أمتي بخير ما دام فيهم من رآني و ليأتين عليهم زمان يطلب في أقطار الأرض فلا يوجد أحد رآني. كيف و قد جاء بذلك لفظة ذكرتها لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و عن أكابرهم، فإذا أتاهم عن أصاغرهم استعصى الكبير على الصغير فهلكوا أي فذلك خشية أن لا يتعلم منه لما ذكرناه من الحياء و التكبّر و الاستنكاف و وجه آخر هذا مجازه عندي على الخبر و الكون لا على الذم لأنه قد جاء في الأثر وصف هذه الأمة في أوّل الزمان بتعلم صغارها من كبارها، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم، فإذا كان كذلك فهذا تفضيل الأصاغر و تشريف هذه الأمة على سالف الأمم لأنهم لم يكونوا يحملون العلم إلّا عن القسيسين و الرهبان و الأشياخ العباد و الزهاد. و أخبر أنّ هذه الأمة في آخر الزمان تفضل سالف الأمم في أوّل أزمنتهم بأن يتعلم الكبير من الصغير كما فضلهم الله تعالى به فذلك أشدّ وطأ للخبر الآخر: أمتي كالمطر لا يدري أوّله خير أم آخره. و لمثله من الشاهد: كيف تهلك أمّة أنا في أولها و المسيح ابن مريم صلى الله عليه و سلم في آخرها. و قد روينا في الخبر: لا تحقروا عبدا آتاه الله تعالى علما فإن الله تعالى لم يحقره إن جعل العلم عنده و كان شعبة يقول: من كتبت عنه حديثا أو تعلمت منه علما فأنا عبده. و قال مرة: إذا كتبت عن الرجل سبعة أحاديث فقد استرقني. فأما الخضاب بالسواد فقد يروى أن بعض العلماء ممن كان يقاتل في سبيل الله تعالى كان يخضب بالسواد و لكن لم يكن هذا يخضب به لأجل الهوى و تدليس الشيب إنما كان يعدّ هذا من أعداد القوة من العدة لأعداء الله تعالى بمعنى قول الله عزّ و جلّ: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]. و إظهار الشباب من القوة و قد رمل رسول الله صلى الله عليه و سلم و اضطبع هو و أصحابه ليراهم الكفار فيعلموا أنّ فيهم جلدا و قوة. و من صنع شيئا بنية خالصة صالحة يريد بذلك وجه الله تعالى و كان عالما بمذهب له ذهب إليه فهو فاضل في علمه و فعله و إن كان ذلك من دون أعماله لم يتبع أن يستن به فيه لأنّا روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: من شرّ الناس منزلة عند الله يقتدي بسيئة المؤمن و يترك حسنته. فأخبر أنّ للمؤمن سيئة و أنّ من شرّ الناس من تأسى بها معذرة لنفسه في هواها.