قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٦ - الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار
فمن كانت نيته طلب الدنيا أعطي منها و نقص من آخرته أضعافه و فرق عليه همه و كثر بالحرص و الرغبة شغله، و من كانت نيته طلب الآخرة و أهلها أعطي من البصيرة و الفطنة، و فتح له من التذكرة و العبرة بقدر نيته، و جمع له همه و ملك من الدنيا بالقناعة و الزهد شغله، و دعت له الملائكة و استغفرت له، فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه و رياضة نفسه و استكشاف حاله و امتحان أوصافه، لأنّ النفس إنما أظهرت الإذعان و الانقياد في الحضر، و ربما استكانت و أجابت في السفر، فإذا وقعت عليها أثقال الأسفار و لزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها و انكشفت دواعيها، فيكون المسافر في علوم و بصائر يعرف بها خفايا نفسه و مكامنها، و يكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه الله عزّ و جلّ لمحبيه متى شاء. كما قال جلّ و علا: يُخْرِجُ الْخَبْءَ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [النمل: ٢٥]، فإن خرج سائحا في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله عزّ و جلّ السائحون قيل: في طلب العلم، و قيل: هم طلبة العلم. و قد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد. و قال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى، ما رأيت أنّ سفره كان ضائعا. و رحل جابر بن عبد الله من المدينة و غيره من الصحابة إلى مصر فساروا شهرا في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى سمعوه. و من سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أن يحصى. و في الخبر: من خرج من بيته في طلب العلم. فهو في سبيل الله عزّ و جلّ حتى يرجع. و في خبر آخر: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله عزّ و جلّ له طريقا إلى الجنة، و يقال: إنّ النفقة في العلم كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة، و إن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر: كانوا يحجون للقاء، و الحجّ من أفضل الأسفار فجعلوه سببا للقاء الأخيار، فإن نوى القرب من الأمصار طمعا في سلامة دينه و بعدا من تعلّق النفس بما في الحضر من حظّ دنياه فحسن، و ربما خرج طلبا للخمول و الذلة، خشية الفتنة بالشهرة، و رجاء صلاح قلبه، و استقامة حاله في البعد من الناس، و رياضة بالتفرق و التوحّد إلى أن يقوّي يقينه و يطمئن قلبه، فيستوي عنده الحضر و السفر، و يعتدل عنده وجود الخلق و عدمهم بإسقاط الاهتمام بهم، و قد قال الثوري: هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين، و هذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره، و قال أبو نعيم: رأيت الثوي و قد علق قلّته بيده، و وضع جرابه على ظهره، فقلت له: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها،