قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٤٠ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
وزر، و هو الذي يربطها فخرا و رياء و سمعة و نواء على الإسلام، فما أكلت و شربت في أجوافها حتى أبوالها و أرواثها و آثارها أوزار في ميزانه يوم القيامة. و قد قال الله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢]. يعني و أشباههم و أعوانهم. فقال الثوري رحمه الله: يقال يوم القيامة ليقم ولاة السوء و أعوانهم. قال: فمن لاق لهم دواة أو برى لهم قلما أو حمل لهم لبدا أو أعانهم على أمر فهو معهم. و جاء رجل إلى ابن المبارك فقال: إني خياط و ربما خطت شيئا لبعض وكلاء السلطان فما ذا ترى أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الإبر و الخيوط. و كان بعض العلماء قد جلس في ديوان بعض الأمراء فكتب الأمير كتابا فقال: ناولني الطين أختم به الكتاب. فامتنع فقال: ناولني الكتاب الذي كتبته حتى أنظر فيه، فلم يناوله. و فعل مثل ذلك سفيان الثوري مع المهدي فكان بيد المهدي درج أبيض و قد أدخل عليه الثوري فقال له: يا أبا عبد الله أعطني الدواة حتى أكتب. فقال: أخبرني بأيّ شيء تكتب، فإن كان حقّا أعطيتك و إلّا كنت عونا على الظلم. و كان بمكة أمير قد أمر رجلا أن يقوم له على الصناع في عمارة ثغر من الثغور قال: فوقع في نفسي من ذلك شيء. فسألت سفيان عن ذلك فقال: لا تفعلنّ و لا تكنّ عونا لهم على قليل و لا كثير. فقلت: يا أبا عبد الله سور في سبيل الله تعالى للمسلمين فقال: نعم و لكن أقل ما يدخل عليك أن تحبّ بقاءهم ليوفونك أجرتك، فتكون قد أحببت من بغض الله عزّ و جلّ. و قد جاء في الخبر: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصي الله عزّ و جلّ. و في الحديث: أنّ الله ليغضب إذا مدح الفاسق. و في خبر آخر: من أكرم فاسقا فكأنما أعان على هدم الإسلام، و ليجتنب هذا السوقي البيوع الفاسدة مثل بيع الغرر و الخطر و المجهول، و مثل بيعتين في بيعة، أحدهما مصارفة أو مشارطة، و لا يبيع ما ليس عنده و لا ما اشتراه حتى يقبضه، و لا يبيع الدين بالدين و لا يتبايعان الثمار حتى يبدو صلاحها و يؤمن عليها العاهة، و من النخيل حتى تحمّر أو تصفّر، و من العنب حتى يلين أو يسود. و نهى، رسول الله صلى الله عليه و سلم عن النجش، و هو أن يعطي بسلعة شيئا و هو لا يريد أن يشتريها بشيء ليغرّ غيره بها، و لا يبتاع شيئا من ذهب و خرز مثل القلادة و نحوها حتى يفصل كل واحد على حدته، كذلك السنّة، و لا يتبايعان ما لم يظهر من الحيوان و الثمار، و يجتنب القبالات مسانهة إلّا شهرا بشهر أو سنة، فقد كره ذلك، و ليتوقّ كل بيع و شراء أخبر العلم ببطلانه من دخول ربا فيه أو خروج من حكم العلم به، فإن ذلك كله منقصة