قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٢ - فصل
الدنيا، فهذه طرقات الآخرة، و ما كان على ضده فهو طرقات الدنيا، إذ هو ضدها. و قالوا: كان الناس إذا علموا عملوا، و إذا عملوا شغلوا، و إذا شغلوا هربوا. و قالوا: تفقه ثم اعتزل. و قد يلتبس إظهار الأعمال و كشف ما كتم من الأحوال لأجل التأديب به و الأتباع عليه، أو لإظهار قدرة الله عزّ و جلّ و آياته لمزيد السامع من المعرفة به بفعل مثل ذلك للتزين و الفخر أو للمدح به و طلب الذكر. و سئل أبو سليمان عن الرجل يخبر بالشيء عن نفسه فقالوا: إذا كان إماما يقتدى به فنعم. و قال مرة هو أو غيره: يختلف ذلك على قدر الإرادة به إذا أراد التأديب للنفس حسن ذلك فهذا يلتبس بمداخلة النفس أو بفنائها بقيومية شاهد اليقين للرب عزّ و جلّ. فصل ترك العمل عمل كثير يحتاج التارك للنهي أو المكروه فرضا أو ورعا إلى نية حسنة أن يتركه للَّه عزّ و جلّ طلب مأمنه أو رغبة فيما عنده، لا لوجود الخلق، و لا ليرب به حاله أو يقيم به عند العبيد جاهه، لأنّ ترك المعصية من أفضل الأعمال فيحتاج إلى أحسن النيات، إذ عليها من الله تعالى أجزل المثوبات لبلوى النفس بها و اضطراب الوصف إليها. و قال بعضهم: من أحبّ أن يعرف ورعه غير الله تعالى فليس من الله في شيء. و روي عن زكريا عليه السلام: أنّ قوما دخلوا عليه و كان يعمل في حائط القوم بالطين، و كان صانعا يأكل من كدّ يديه، فقدم إليه عندهم رغيفيه و جعل يأكل و لم يدعهم حتى فرغ. فسألوه عن ذلك لعلمهم بزهده و كرمه فقال: إني أعمل لقوم بأجرة، و قربوا إليّ هذين الرغيفين لأتقوّى بهما على عملهم، فلو أكلتم معي لم يكفكم و لم يكفني و ضعفت عن عملهم، فهذا ممن ترك فضلا لفرض. و ممن كانت له نية في الترك، كما تكون له في الفعل و قال بعضهم: دخلت على سفيان بن أبي عاصم و هو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه. ثم قال: لو لا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه. و قد روينا في الخبر: أنّ أعجميّا مرّ بنفر قعود يتكلمون بكلام فيه استهزاء و لهو فظن أنهم يدعون الله عزّ و جلّ فقال: مثل ما يقولون بحسن نيته. قال: فغفر الله لهم بحسن نيته و قال الحسن: من علامة المسلم أن لا يبدره لسانه و لا يسبقه بصره، و لا تقصر به نيته، يعني لا يضعف و لا تقعد به عن المسارعة إلى القربات هي أبد في قوة و زيادة و إن قصرت أعماله فيها و عجزت قويّ جوارحه و قال: المؤمن تبلغ نيته و تضعف قوته، و المنافق تضعف نيته و تبلغ قوته. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: لكل حق حقيقة و ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحبّ أن يحمد على شيء من عمل الله عزّ و جلّ. و قال الحواريون لعيسى بن مريم عليه الصلاة