قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٩ - الفصل الحادي و الأربعون في ذكر فضائل الفقراء و فرائضه و نعت عموم الفقراء و خصوصهم و تفصيل قبول العطاء و رده و طريقة السلف فيه
عزّ و جلّ بوصفه فقال تعالى: وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة: ٩٢]- الآية- فلما شاركوه في العدم و كان حال الرسول صلى الله عليه و سلم هو الأفضل و الأتمّ دلّ على فضل حالهم على غيرهم. و قد قال الله عزّ و جلّ: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ [التوبة: ٩٣]. و قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق: ٦- ٧]. فوصف الأغنياء بالطغو و أوقع عليهم الحجة. و قال في وصف الفقراء: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ [البقرة: ٢٧٣]. فلو لا أنّ الغني مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص، و الغنى باب الدنيا و أصل التفاخر و التكاثر المذموم، و الفقر باب الآخرة و أصل الزهد و التواضع المحمود. و عند أهل المعرفة: إنّ الغنى من الصفات التي لا ينبغي أن ينازع فيها و مكروهة لمن ابتلي بمعانيها، و أنه مثل العزّ و الكبر و حبّ المدح و الذكر. فمن أحبّ شيئا من ذلك و طلبه فقد نازع الله تعالى لبسته، و تركوا ذلك لأجل الله عزّ و جلّ لأنه من صفات الربوبية، و سلّموه له خوفا منه أو حبّا له، و إن الفقر من صفات العبودية مثل الرجاء و الخوف و التواضع و الذلّ، فمن طلب ذلك و أحبّه فقد تحقّق بوصف العبودية. و الله سبحانه و تعالى يحبّ أن يتحقق العبد بأوصافه لأنه عبد ذليل، و يكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك جليل، و من أحبّ الغنى دلّ على حبه البقاء. و كان سهل يقول: حبّ الغنى شرك في الربوبية، أي لأنّ البقاء من صفات الباقي، و من فضل الغنى على الفقر دلّ على حبه للغني فظهر بذلك محبة الأغنياء لأنّ حبّ الوصف دليل حبّ الموصوف، و حبّ الشيء أيضا دليل على بغض ضده، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر، و بغض الفقر لحبّ الغنى، فقد اختار الرغبة على الزهد، و الكثرة على القلة، و العزّ في الدنيا على الذلّ. و في هذا إيثار الدنيا على الآخرة، و هدم الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن الصحابة و التابعين في تفضيل الفقر و تشريف الأغنياء. و يقال: كان الفقر شرف المؤمن و كان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة الأشراف فيكم اليوم و لا خفاء بفساد هذا القول و نقصه عند العلماء باللَّه تعالى، ثم إنّ الفقراء على منازل ثلاث، فقراء الأغنياء و هم السؤال عند الفاقات، الكافون نفوسهم مع الكفاية، القانعون بالكفاف، و هم طهرة الأغنياء، و مزيدهم من الله تعالى، و هم الذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء سهما، لأنّ منهم السائل و المحروم، و منهم القانع و المعتر. و الطبقة الثانية فقراء الفقراء و هم المتحققون بالفقر، المختارون له، المؤثرون إياه على الغنى، لعظم معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفّف و الصيانة، لا يبتذلون للسؤال و لا يعرضون في المقال، راضون بالميسور من مولاهم، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم: يحسبهم الجاهل أغنياء لترك المسألة و الشكوى،