قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣٠ - الفصل الحادي و الأربعون في ذكر فضائل الفقراء و فرائضه و نعت عموم الفقراء و خصوصهم و تفصيل قبول العطاء و رده و طريقة السلف فيه
و منهم المحروم حرم السعي للدنيا، و منهم المحارف انحرفت عنه الأسباب، و منهم القانع قنع بما يصل إليه من غير امتهان و تبذل فيه، و منهم المعتر رضي عن الله عزّ و جلّ بما يعتريه. و قيل: إنه ما أعطى أحد شيئا من الدنيا إلّا قيل له خذه على ثلاثة لثلاث، شغل، و همّ، و طول حساب. و أما الطبقة الثالثة فهم أغنياء الفقراء و هم الأجواد الأسخياء أهل البذل و العطاء، يأخذون و يخرجون، و لا يستكثرون و لا يدّخرون، إن منعوا شكروا المانع لأنه هو المعطي فصار منعه و إن ضيّق عليهم حمدوا الواسع لأنه هو المحمود فصار ضيقه رخاء، و إن أعطوا بذلوا و آثروا فهم الزاهدون في الدنيا لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى. و قال إبراهيم بن أدهم لشقيق بن إبراهيم حين قدم عليه من خراسان: كيف تركت الفقراء من أصحابك؟ فقال: تركتهم إن أعطوا شكروا، و إن أعطوا آثروا فقبّل رأسه و قال: صدقت يا أستاذ و قد كان بشر يقول: الفقراء ثلاثة، فقير لا يسأل و إن أعطى لم يأخذ، فهذا مع الروحانيين في عليين، و فقير لا يسأل و إن أعطى أخذ فهو مع المقربين في حظيرة القدس، و فقير يسأل عند فاقته، فهذا مع الصادقين، و صدقه في حاله كفّارة مسألته. و دفع إلى إبراهيم بن أدهم ستون ألفا و كان عليه دين و به حاجات إليها فردّها فعوتب في ذلك فقال: كرهت أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء لستين ألفا. و قد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف و إنّ درعها لمرقوع فقالت لها الخادمة: لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه فقالت: لو ذكرتني لفعلت. و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصاها فقال: إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء، و إياك و مجالسة الأغنياء، و لا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه فأما معنى قول النبي صلى الله عليه و سلم للفقراء: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلعل متوهما لم يتدبر أول الكلام فظن أنّ هذا تفضيل للأغنياء على الفقراء و إنما هو تحقيق لقوله الأول: قولوا كذا و كذا، فإنه لا يسبقكم أحد قبلكم، و لا يدرككم أحد بعدكم، فقالوه. فلما سمع الأغنياء بذلك فقالوا كقولهم هجس في قلوب الفقراء منه شيء، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم ليتثبتوا في قوله فقال: الأمر كما قلت لكم لا يسبقكم أحد قبلكم إذ قد صحّ منه هذا القول في الأول و هو معصوم فيه، فلو لم يكن كذلك لنقض آخر قوله أوله، و لا يجوز ذلك. و أيضا فإن حمل على ظاهره كما تأوله، فإنه فضل الله تعالى في الدنيا، لا تفضيل لهم به في الآخرة على مقامات الفقراء، إلّا أنّ الأولى قد قامت بفضلهم، و يصلح بمعناهم فضل أعطاهم الله تعالى بهذا القول الذي قلتموه. زادهم الله به، لا أنه أفضل من مقامكم و حالكم بغيره، إذ قد ثبت فضلكم عليهم بوصف الفقر و حال الصبر بغير هذا الذكر، و هذا التسبيح رجحان لكم تماما على فضلكم بغيره، و هذا القول للأغنياء تفضيل من الله