قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٨ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
إياه؟ فقال: لا فقال: فلا تطمع في المحبة، فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه. و من دلائل المحبة حبّ: كلام الحبيب و تكريره على الأسماع و القلوب. و حدثونا عن بعض المريدين قال: كنت وجدت حلاوة المناجاة في سوء الإرادة، فأدمنت على قراءة القرآن ليلا و نهارا، ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة. قال: فسمعت قائلا يقول لي في المنام: إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي، أما ترى ما فيه من لطيف عتابي. قال: فانتبهت، و قد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي الأوّل. و قد قال بعض العارفين: لا يكون العبد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد. و قد كان ابن مسعود يقول: لا على أحدكم أن يسأل على نفسه إلا القرآن فإن كان يحبّ القرآن فهو يحبّ الله، و إن لم يكن يحبّ القرآن فليس يحبّ الله. و من علامة حبّ القرآن حب أهل القرآن و كثرة تلاوته آناء الليل و أطراف النهار. و قال سهل بن عبد الله: علامة حبّ الله حبّ القرآن و علامة حبّ القرآن و حبّ الله حبّ النبيّ عليه السلام و علامة حبّ النبيّ عليه السلام حبّ السنّة، و علامة حبّ السنّة حبّ الآخرة، و علامة حبّ الآخرة بغض الدنيا، و علامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا و بلغة إلى الآخرة و قال تعالى و هو أحسن القائلين: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا من يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، أي لا يرتدون لأنهم أبدال المرتدين، و لا ينبغي أن يكونوا أمثالهم. كما قال: يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ، و من علامة محبة المولى تقديم أمور الآخرة من كل ما يقرّب من الحبيب على أمور الدنيا من كل ما تهوى النفس، و المبادرة بأوامر المحبوب و بواديه قبل عاجل حظوظ النفس، ثم إيثار محبته على هواك و اتباع رسوله صلى الله عليه و سلم فيما أمرك به و نهاك، و الذل لأوليائه من العلماء به و العاملين، ثم التعزز على أبناء الدنيا الموصوفين بها المؤثرين لها. كما قيل لابن المبارك: ما التوضع؟ فقال: التكبر على المتكبرين. و قال الفتح بن شخرف. رأيت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم فقلت: أنبئني بحرف خير فقال: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء رجاء ثواب الله، و أحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة باللَّه. و إنما وصف الله أحباءه بالذل للأولياء و العزّ على الأعداء لأنه يصف من يحبه بأحسن الأوصاف. فالذل للحبيب حسن، و العزّ على العدو في حسنه مثل العزّ على الذليل. فلذلك وصف الله محبه بالذل للولي و بالعزّ على العدو، و قبح العزّ على الحبيب كقبح الذلّ للعدو. و الله لا يصف أولياءه بقبيح. و من علامات الحبّ: المجاهدة في طريق المحبوب بالمال و النفس، ليقرب منه و يبلغ مرضاته و يقطع كل قاطع يقطعه عنه بالمسارعة إلى قربه. كما قال تعالى: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [طه: ٨٤]. و كما أمر حبيبه صلى الله عليه و سلم في قوله: