قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٩ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ، تَبْتِيلًا فيه معنيان: أحدهما انقطع إليه انقطاعا عمّا سواه بالإخلاص له و الأثرة على غيره، و الأخرى: اقطع كل ما قطعك عنه إليه أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه. فهذان من أدل الدليل على المحبة. ثم أن لا يخاف في حبه لومة لائم من الخلق لامه على محبته أو على السلوك إليه بشق النفس و هجران الدار و رفض المال، و لا يرجو في محبته مدح مادح و لا يرغب في حسن ثناء العباد بإيثارك له على الأهل و المال. ثم وجود الأنس في الوحدة و الروح بالخلوة، و لطف التملق في المناجاة و التنعم بكلامه و التنعم بمرّ أحكامه و وجد حلاوة الخدمة و رؤية البلاء منه نعمة. و قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة و تنعمت به عشرين سنة، و من المحبة ترك السكون إلى غير محبوبه إذ هو السكن. و قال أبو محمد: خيانة المحب عند الله أشدّ من معصية العامة، و هو أن يسكن إلى غير الله و يستأنس بسواه. و في قصة برخ، العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أنّ الله تعالى قال لموسى: إنّ برخا نعم العبد هو لي إلا أنّ فيه عيبا. قال: يا رب، و ما عيبه؟ قال: يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه، و من أحبني لم يسكن إلى شيء. فالسكون في هذا الموضع الاستراحة إلى الشيء و الأنس به، و السكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء و الإدلال به و الطمأنينة و القطع به. ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة فقال: لم يرد بهذا برخا إنما أراد به موسى، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى أن يواجهه بذلك، فعرض له ببرخ و كان هذا جوابا منه: إنّي سألته، لم أخبر موسى بعيبه و هو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه. فأجاب بهذا: فالمقربون من المحبين إنما نعيمهم باللَّه و روحهم و راحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه، فإذا وجدوا ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر لهم. و روينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا، فنظر إلى طير قد عشش في شجرة يأوي إليها و يصفر عندها فقال: لو حوّلت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام: قل لفلان العابد: استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق المحبة و خالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به، و مصادفة الاستراحة و الروح عنده بمحادثة في المجالسة، و مناجاة في الخلوة و ذوق حلاوة النعيم في ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة. كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين: ألذّ جميل الصبر عمّا ألذه و أهوى لما أ هواه تركا فاتركه و قال نظيره في مثله: و أترك ما أهوى لمن قد هويته، و أرضى بما يرضى و إن سخطت نفسي، ثم الطمأنينة إلى الحبيب و عكوف الهم على القريب و دوام النظر، و سياحة الفكر