قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٧ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
[القمر: ٥٥]. و لا يصلح أن يكون قبل قدمه الصدق منهم قدم، كما لا يصلح أن يكون قبل علمه بهم منهم عمل بهم منهم، لأنّ عمله سبق المعلوم و محبته لأوليائه سبقت محبتهم إياه و معاملتهم له، ثم هي مع ذلك خاصية حكم من أحكامه و مزيد من فضل أقسامه و تتمة من سابغ إنعامه، خالصة لمخلصين، و مؤثرة لمؤثرين بقدم صدق سابق لخالصين، يئول إلى مقعد صدق عند صادق لسابقين، ليس لذلك سبب معقول و لا لأجل عمل معمول، بل يجري مجرى سرّ القدر و لطف القادر، و إفشاء سرّ القدر كفر. و لا يعلمه إلا نبي أو صديق و لا يطلع عليه إلا من يظهره، و ما ظهر في الأخبار من الأسباب. فإنما هو طريق الأحباب و مقامات أهل القرب من أولي الألباب، و إنما تستبين المحبة و تظهر للعبد لحسن توفيقه و كلاءة عصمته، و لطائف تعليمه من غرائب علمه و خفايا لطفه، في سرعة ردهم إليه في كل شيء و وقوفهم عنده، و نظرهم إليه دون كل شيء و قربه منهم أقرب من كل شيء، و كثرة استعمالهم لحسن مرضاته و كشف اطلاعهم على معاني صفاته، و لطيف تعريفه لهم مكنون أسراره و فتوحه لأفكارهم من بواطن إنعامه و استخراجه منهم خالص شكره و حقيقة ذكره. فهذه طريقات المحبين له عن كشوف اطلاعه لهم من عين اليقين. يقال: إذا أحب الله عبدا استخدمه، فإذا استخدمه اقتطعه. و قيل إذا أحبّ الله عبدا نظر إليه، و إذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه. و روي بعض هذا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم. و روينا في الخبر: إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه، و إذا أحبه الحبّ البالغ اقتناه. قيل: و ما اقتناؤه؟ قيل: لم يترك له أهلا و لا مالا، فالمحبة مزيد إيثار من المحب الأوّل و هو الله، لعبده و أحكام تظهر من المحبوب و هو العبد، في حسن معاملته، أو حقيقة علم يهبه له. كما قال إخوة يوسف عرفوا محبة الله ليوسف عليهم: تاللَّه، لقد آثرك الله علينا. ثم قالوا: و إن كنا لخاطئين. فذكروا سالف خطاياهم و أنه آثره بما لم يؤثرهم به. فقال الله تعالى في وصفه إياه: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]. و قال في موهبته له: آتيناه حكما و علما. و كذلك نجزي المحسنين. فذكر ما سلف من إحسانه لما آثره به. و قالت الرسل: إن نحن إلّا بشر مثلكم و لكن الله يمنّ على من يشاء من عباده. و قال تعالى: الله يَصْطَفِي من الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ من النَّاسِ [الحج: ٧٥]. و في الخبر: إذا أحب الله عبدا ابتلاه يعني اختبره، فإن صبر اجتباه، و إن رضي اصطفاه. و قال بعض العلماء: إذا رأيتك تحبه و رأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك. و قال بعض المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة فقال: يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه