قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥٥ - ذكر ما روينا من الآثار في البيوع و الصنائع و طريقة الورعين من السلف
و روينا عن ابن عمر و ابن عباس رضي الله عنهم: سمعت النبي صلى الله عليه و سلم ينهي أن يدخل السوق أوائل النهار و أن يخرج منها آخر أهلها، فإذا كان المتسبب في المعاش و المتصرف في الأسواق على هذه الأوصاف المحمودة بهذه الشروط الموصوفة قائما بحكم حاله حافظا لمقامه فإنه في سبيل من سبل الله عزّ و جلّ، أفعاله و آثاره حسنات و كل ما تسبب به إلى الآخرة، و كان عونا له عليها و طريقا له إليها فهو من الآخرة، و إذا خالف هذه الشروط و لم يستعمل العلم في أحواله و فارق التقوى في تصرفه. أو كان يسعى تكاثرا و حرصا على الدنيا جزوعا على ما فاته من الدنيا مستقلا لما في يديه منها، لا يبالي ما ذهب من دينه إذا سلمت دنياه و لا يبالي من أين اكتسب و فيما أنفق، فهذا يتقلب في المعاصي و المكاره ظهر البطن متعرضا للمقت من الله عزّ و جلّ، يعمل في البعد و الهرب غير مستعد للموت و لا موقن بالحساب، أفعاله و آثاره سيّئات و ترك التجارة على هذه الأوصاف المكروهة خير لهذا. ذكر ما روينا من الآثار في البيوع و الصنائع و طريقة الورعين من السلف روينا عن علقمة رضي الله تعالى عنه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من جلب إلى مصر من أمصار المسلمين فباعه بسعر يومه كان له عند الله تعالى أجر شهيد. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم: و آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، و آخرون يقاتلون في سبيل الله. و روينا عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: لا يدخل الجنة صاحب مكس، و روينا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: من أقال نادما في بيع أقاله الله عزّ و جلّ يوم القيامة. روينا عن هشام بن عروة ذكر لمعاوية أنّ رجلا من المعمرين من الجراهمة بالقرب منه فأحضره فقال: ممن الرجل؟ قال من جرهم قال: و كم تعد من السنين؟ قال: خمسين و ثلاثمائة سنة قال: أخبرني أيّ المال أفضل؟ قال: عين خدارة في أرض خوارة تعول و لا تعال قال: ثم ما ذا؟ قال: فرس في بطنها يتبعها فرس قال: فقال: الإبل و الغنم لا أراك تذكرها قال: إنها لا تصلح لمثلك تصلح لمن يباشرها بنفسه. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: خير مال المسلم سكة مأبورة أو مهرة مأمورة. قوله سكة مأبورة يعني النخيل التي قد أبرت فهي طريق كالسكك، و قوله مهرة مأمورة يعني الخيل النواتج مأمورة كثيرة. و من هذا قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها [الإسراء: ١٦] أي أكثرناهم. يقال: أمر القوم إذا كثروا. و حدثونا عن عبد الله بن أحمد قال: قدمت من عند معاوية بثلاثمائة ألف دينار و ليس بيدي منها إلّا دقيق و غنم و أثاث، ففزعت من ذلك فلقيت كعب الأحبار