قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٨ - الفصل التاسع و الثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات
الفصل التاسع و الثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأوقات أما الأقوات فقد كان بعض السلف ينقص منها حتى يرد النفس إلى أقل قوامها.، فمن أراد هذا الطريق فلينقص في كل أكلة ربع سبع رغيف فيكون تاركا لرغيف في شهر برياضة و تمهل، فلا يؤثر النقصان عليه شيئا حتى تقف النفس على الأكل في ثلث بطنها و هو ثلث أكله المعتاد، و هذا طريق المريدين. و من العلماء من لم يكن يعرض للأقوات و لكن يعمل في زيادة الأوقات فيؤخر أكله وقتا بعد وقت حتى ينتهي إلى أكثر طاقة النفس لحمل الجوع بضعف الجسم عن الفرض أو خشية اضطراب العقل. فمن أراد هذا الطريق أخّر فطره كل ليلة إلى نصف سبع الليل حتى يكون قد طوى ليلة في نصف شهر، و هذا طريق من أراد الطي السبع و العشر و الخمس عشرة يوما إلى الأربعين، لأنه يعمل في تجوعه على مزيد الأيام و لا يعمل في نقصان الطعام فلا يؤثر ذلك نقصا في عقله و لا ضعفا عن أداء الفرائض، إذا كان على صحة قصد و حسن نية و صدق عقد، فإنه يعان على ذلك و يحفظ فيه و يكون طعمه إذا أكل عند كل وقت يزيد فيه النقص ضرورة عن غير تعمل لنقصانه، لأن معاه تضيق لا محالة. فكلما زاد جوعه نقص أكله على هذا إلى أن ينتهي في الجوع، و ينتهي في قلة الطعم، و لا ينال فضيلة الجوع التي وردت به الأخبار إلّا بالطي. و من الناس من يقول: حدّ الجوع الأول من الوقت إلى مثله كالغد أربعة و عشرون ساعة، و حدّه الآخر اثنان و سبعون ساعة، فهذا حدّ الجوع من الأوقات فأما حدّه في الأقوات فكان بعضهم يقول: حدّ الجوع أن لا تطلب نفسك الأدم، فمتى طلبت نفسك الأدم مع الخبز فلست جائعا، فهذا حدّ الأوّل. و قيل: حدّه الجوع أن تطلب الخبز فلا تميز بينه و بين غيره، فمتى تاقت النفس إلى الخبز بعينه فليست بجائعة لأن لها شهوة في التخير، و متى لم تميز بين خبز و غيره من مأكول، فهذا حدّ الجوع و هو الفاقة و الحاجة إلى الطعام الذي جعله الله تبارك و تعالى غذاء للأجسام، و هذا يكون في آخر الحدّين من الأوقات بعد الثلاث إلى خمس