قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٦ - تفسير قوله نية المرء خير من عمله
و هو يحسب أنه الأوجب. من ذلك أن رجلا كان يصلّي فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يجبه فظن أنّ وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب أفضل له. فلما سلم جاءه فقال له صلى الله عليه و سلم: ما منعك أن تجيبني حين دعوتك؟ فقال: كنت أصلّي. فقال: أ لم تسمع قول الله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]؟ فكان إجابة النبي صلى الله عليه و سلم أفضل له، لأن صلاته نافلة و إجابة الرسول صلى الله عليه و سلم فرض عليه. قال بعضهم: من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض فهو مخدوع، و من شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به. و قال سفيان: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول: فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه، ثم وقوفه على حده، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له، فيبتدئ العمل بما افترض عليه بعد اجتنابه ما نهى عنه مبلغ علمه و وسع وجده، لا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض، لأن الفضل ربح لا يصحّ إلا بعد رأس المال. و لكل فضل آفة قاطعة. فمن سلم منها حاز فضله. و لكل أمر نفيس مئونة ثقيلة، فمن تحملها أدرك نفيسها، و من تعذرت عليه السلامة فهيهات أن يصير إلى فضل كرامة، و من لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علوّ مقامه. و قد يلتبس التكلف بالإخلاص و إظهار العلم بظهور التزيّن به. قال الثوري رحمه الله: زيّن نفسك بالعلم لو لا تزيّن به، أي أدبها للَّه عزّ و جلّ فتكون زينا في أوليائه، و لا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه و يلتبس الاختيار بالاختيار ما كان عن حاجة و تطرقت به إلى الله عزّ و جلّ، و الاختيار ما زاد في الشهوة و كان سلما إلى الخلق كالتباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها للنعمة و التكثر من الأسباب. و وقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا و أحكام الفرض لجواز السلامة هو الفضل. و قد روي: إذ دعي أحدكم للطعام فإن كان مفطرا فليجب و إن كن صائما فليقل إني صائم. فأمره بإظهار عمله و هو يعلم أنّ الإخفاء أفضل. و لكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه و جدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل العمال على الأعمال، إذ الأعمال موقوفة على العامل، فإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء عزّ و جلّ على غيره في العمل لواحد، فدلّ ذلك أنّ المؤمن أفضل من العمل فقيل له: ارفع التأثير و الكراهة عن قلب أخيك بإظهار عملك، فهو خير من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك، لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه و لم تعتذر إليه عذرا بيّنا يقبله منك و يعرفه شقّ عليه ذلك إن كان صادقا في دعائك. قال ابن شبرمة: سأل كرز بن وبرة ربه عزّ و جلّ أن يعطيه الاسم الأعظم على أن لا يسأله شيئا من أمر الدنيا، فأعطاه الله تعالى ذلك فسأل أن يقوي أن يختم القرآن