قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧٩
الآفاق، مطعمه حرام و ملبسه حرام غذي بالحرام، يرفع يده في صلاته فيقول: يا ربّ يا ربّ، فأنّى يستجاب له ذلك. و في الحديث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم: أنّ للَّه عزّ و جلّ ملكا على بيت المقدس ينادي في كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف و لا عدل، قيل الصرف النافلة و العدل الفريضة. و في حديث أبي هريرة: المعدة حوض البدن و العروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق إليها بالصحة، و إذا سقمت المعدة صدرت العروق إليها بالسقم. و مثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان، فإذا ثبت الأساس و قوي استقام البناء و ارتفع. و إذا ضعف الأساس و أعوج انهار البنيان و وقع. و قد قال الله: أَحْسَنَ الْخالِقِينَ [الصافات: ١٢٥]. أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى من الله وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ من أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ به في نارِ جَهَنَّمَ. و في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم: من اكتسب مالا من حرام و إن تصدق به لم يقبل منه، و إن تركه وراءه كان زاده إلى النار. و قيل في معنى قول الله عزّ و جلّ: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]. قيل: من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه كان سبب هلاكها و تعذيبها. و في الأخبار المشهورة عن عليّ و غيره: أنّ الدنيا حلالها حساب و حرامها عقاب. و قال يوسف بن أسباط و سفيان الثوري رحمهما الله: لا طاعة للوالدين في الشبهة. و قال الفضيل بن عياض: من قام في موقف ذل في طلب الحلال حشره الله مع الصدّيقين و رفعه إلى الشهداء في موقف القيامة. و قال أبو سليمان أو غيره من العلماء: لا يفلح من استحيا من طلب الحلال. و في بعض التفسير فإن له معيشة ضنكا. قيل أكل الحرام كما قيل في قول: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قال: نرزقه حلالا و قد قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢]. قيل: من الحلال كما قال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا من الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً [المؤمنون: ٥١]. أي من الحلال، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح. و هكذا قال بعض العلماء: زكاة الأعمال بأكل الحلال، فكلما كانت الطعمة أحل كان العمل أزكى و أنفع. و كان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول: قد فضل عليّ بثلاث، صبره على العيال و أنا أضيق عن ذلك و هو يطلب الحلال لنفسه و لغيره و كان يقول: ما أترك الطيبات زهدا فيها و إنما أتركها لأنه لا يصفو لي درهما، و لو صح لي الدرهم الذي أشتريها به لأكلتها. و قد قال علماء الظاهر: إن الحلال من عشرة أوجه و منهم من قال: يوجد من سبعة أشياء و أصل ذلك كله يرجع إلى ثلاثة أشياء: تجارة بصدق و صناعة بنصح و عطية بحكم، ثم تنقسم العطية أربعة أقسام، فيكون فيئا أو ميراثا أو هبة عن طيب نفس، أو صدقة مع وجود فقر.