قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨١
شيئا، و لو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته، فهجره أحمد رضي الله عنه حتى اعتذر إليه يحيى و قال: إنما كنت أمزح قال: تمزح بالدين، أما علمت أنّ الأكل بالدين قدمه الله على العمل فقال: كلوا من الطيّبات و اعملوا صالحا. و قد كان كثير من الورعين يقول: منذ أربعين سنة ما دخل جوفي إلّا ماء أعلم من أين هو. و بعضهم يقول: منذ ستين سنة ما أكلت إلّا من حيث أعلم. و كان وهب بن الورد لا يأكل إلّا من حيث يعلم أو يشهد عنده شاهدان بصحته. و قد كان بشر يقول: من فقر جاع، و من تغافل شبع، و عند العلماء: إنّ من طلب الدنيا حلالا فهو أزهد فيها ممن أكل الشبهات من غير طلب. و في الخبر: من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله تعالى من أي أبواب النار أدخله، و قيل: ذلك في التوراة مكتوب. ذكر تفصيل الحلال من الشبهة و الأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير الحلال بيّن و الحرام بيّن و الشبهات بين ذلك لا يعلمها كثير من الناس، من تركها فقد استبرأ لدينه و عرضه و من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه و إنّ لكل مالك حمى و إن حمى الله في أرضه محارمه. يقال: إنّ هذا الحديث ثلث العلم، فالحلال ما ظهر و تبين و كنت على يقين منه و اطمأن به قلب المؤمن العالم، و الحرام أيضا ما تبين و انكشف على يقين منه و لم يختلف أحد من المسلمين فيه، و نفر قلب المؤمن و اشمأز منه و قد تطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها، و قد تنفر بعض القلوب من شيء لقصور علمها و ليس يقع بمثل هذين القلبين اعتبار. و إنما الاعتبار بقلب المعيار الذي قد جعل كالمحك يختبر به معادن الملكوت و هو قلب المؤمن الموقن العالم، و هذا القلب في القلوب أعزّ من الذهب إلا بريز في سائر المعادن. و قد روينا عن بعض السلف عن تفسير قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]. قال: إذا فسدت أعمال الناس جعل عليهم ولاة يشبهون أعمالهم. و قال بعض العلماء في معناه: إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم و الشبهات على وجوه، أحدها ما أشبه الحلال من وجه و ما اختلط أيضا بها فاختلط و لم يتميز منهما، و الشبهة أيضا ما دل باطن العلم على تحليله فهو حلال الحكم و أظهر باطن الورع الوقوف عنه، و الشبهة ما أباحه علم الظاهر و كرهه علماء الباطن لحبك القلوب و حوازها و لعدم الطمأنينة و مواجيد القلوب، كنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم: إنكم تختصمون إلي و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على ما أسمع منه و هو يعلم خلافه، فمن قضيت له على أخيه فإن أقطع له قطعة من النار. فأخبر النبي