قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨٣
يعرف بعدالة و لا جرح فهو شبهة، و ما أخذ من يد ظالم أو فاجر فهو حرام و إن أخذ بحكم جائز و هذا القول يقرب من الحق، و مثله من المقال مثل ما قال بعض أهل العلم: إنّ من لم يعرف أنّ ماله خالطه خيانة و لا معاملة ظالم فذلك حلال، و من خالط الظلمة و اكتسب المال من خيانات فما في يده حرام و إن اختلط ماله فلم يتميز، و كان يعامل بعض الظلمة و يعامل أهل التقوى و الإيمان فما في يده شبهة. و قد جاء في الخبر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الخير طمأنينة و إنّ الشرّ ريبة، معناه دع ما تشك فيه إنه حلال إلى شيء آخر لا شك فيه، فإن الشرّ ريبة و ليس بيقين. و في لفظ آخر: الإثم حيك الصدور. و قد جاء في الحديث: الإثم حواز القلوب أي ما حزّ في القلب و أثر فيه بنكث فهو إثم، لأن الله تعالى علق الإثم بالقلب و جعله من أوصافه في قوله عزّ و جلّ: وَ من يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣]. و في الخبر: البرّ ما اطمأن إليه القلب و سكنت إليه النفس، و الإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس فدعه لأنه قال: المؤمنون شهداء الله و قال: ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، و ما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح كما قال سبحانه: فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥]. لأن كراهتك نظر الله إليك دليل على وجود الريبة فيك، و فصل الخطاب من ذلك أنه ليس على العبد أكثر من جهده و طاقته، و أن يعمل في دينه بمبلغ علمه و ما يؤدي إليه اجتهاده و وسعه، و أن لا يخبأ لنفسه خبيئة و لا يرخص لنفسه بهواه رخصة، فإن قصر علمه استعان بعلم غيره، فما أخطأ حقيقته وراء ذلك فهو معفو الخطأ، و بعض الورعين يقول: الحلال ما لم يتناوله أيدي الظالمين. و قال بعضهم: ما لم تجر عليه يد ظالم. و قال بعض العلماء: لا يكون حلالا حتى لا يتخالج في القلب منه شيء و حتى يسكن القلب إليه و يطمئن به. و قال آخر: الحلال ما عرض على أهل الظاهر و الباطن، فإذا لم ينكروا منه شيئا فذلك الحلال. و قد كان اجتمع جماعة من العلماء يتذاكرون أي الأعمال أشد فقال بعضهم: الجهاد و قال بعضهم: الصيام و الصلاة و قال آخر: مخالفة الهوى و قال بعضهم: الورع. فأجمعوا على الورع و رجعوا إلى هذا القول. و قال حسان بن أبي سنان: ما شيء عندي أسهل من الورع قيل: و كيف؟ قال: إذا حاك في صدري شيء تركته و هذا سهل على من ساعده القدر بالزهد و قواه على ذي النفس الشهوانية، كما أنّ الزهد سهل على من أمده الله بروح التأييد باليقين، و عزيز على من ابتلي بحبّ الدنيا. و قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال و الذي نقيم به وجوهنا عن الله عزّ و جلّ هو الورع. فقال له أصحاب