قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨٢
صلى الله عليه و سلم أنه يحكم بظاهر الأمر و ردهم إلى حقيقة علم العبد بما شهد و عرف من عيب نفسه المستتر عن الأبصار، و الشبهة أيضا ما اختلف فيه لخفاء أدلته و لتكافؤها بالسوية و ما لم تره عينك فتقع على غيبه، و الحلال و الحرام ما أجمعوا عليه و ظهرت الأدلة عليه، و الشبهة أيضا ما حل سببه و صودف فيه حكمه إلّا أنّ عينه مجهولة غير متيقن تحليلها، و الشبهة أيضا ما فقد منه بعض القيام بالأحكام أو ما اعتل سببه الذي يوصل العبد و يتطرق إليه من فضول جهل أو حدوث آفة من آفات النفوس. فهذه الأنواع كلها من الشبهات، ثم تختلف نفس الشبهات فيكون ذلك شبهة الحلال و تكون شبهة الحرام. شبهة كدرة، و تكون شبهة متقاربة لأنّ الحلال عند علماء الباطن على ثلاث مقامات، حلال كاف و هذا عموم و كأنه ما حل من طريق الحكم. و حلال صاف و هذا خصوص و كأنه ما ظهرت الأدلة فيه و حل سببه و وجدت السنّة فيه، و حلال شاف و هذا خصوص الخصوص. و كان ذلك ما علم أصله و أصل و جرى على أيدي المتّقين و لم يخالطه جهل. فلذلك تفاوتت الشبهات لتفاوت حلال ضدها. فأما الحرام فطعمة الفاسقين، أكله فسوق و طلبه فسوق و إطعامه فسوق، و المعاونة عليه فسوق و المدمن عليه فاسق، و هو من الكبائر و ليس من حاجة المسلمين و لا يغنيهم. و الحلال هو ما أجلّه الكتاب و السنّة و حللته الأحكام و العلوم من سائر الأسباب و المعاني المطلقة و المباحة التصرف في العلم، و هو بغية المؤمنين و طعمة المتّقين و مقام الصالحين، فطلبه جهاد و إطعامه برّ و المعاونة على تقوى و أكله عبادة، و المدمن عليه مؤمن تقي. و الشبهة ما اختلف العلماء فيه و لم يجمعوا عليه، أو ما التبس باطنه فاشتبه لغموض الأدلة أو خفاء الاستدلال فلم يكن بيّنا فلم يجمع أهل الظاهر. و الورع عليه كما قال صلى الله عليه و سلم: لا يعلمه كثير من الناس فهذه طعمة عموم المسلمين فإن ابتليت بهذا فخذ منها حاجتك و ضرورتك من كل شيء، تكن بذلك فاضلا و يصح لك مقام في الورع. و الاستكثار منه و الاقتناء مكروه، و تركه إذا أمكن أفضل لأن في الخبر: من تركه فقد استبرأ لدينه أي تنزه و تنظف و تفقد دينه و احتاط له. و قيل: إنّ الإيمان نزه نظيف فتنظفوا و تنزهوا، و معنى التنزه التباعد من الدناءة و الأوساخ. و من ذلك قيل: خرجنا نتنزه، و خرج فلان في نزهة إذا تباعد عن المصر و فارق جملة الناس. ثم قال: و عرضه أي استبرأ لعرضه أن يتكلم الناس فيه بسوء و ينسبوه إلى فحش. و قد جعلنا الشبهة طريقا إلى الحرام و موقعة فيه لأن في الخبر: من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه أي يطلب الشبهة و يدمن عليها و يستكثر منها يسرع الوقوع في الحرام، أي تسرع إليه و تدخله فيه. و قال بعض العلماء: ما أخذ من يد تقي عدل بحكم جائز فهو حلال، و ما أخذ من يد من لا