قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨٠
و مدار ذلك كله و قطبه أنّ الحلال مشتق من اسمه بمعنيين، ما انحلّ الظلم عنه أو حل العلم فيه، فما انحل الظلم عنه انحلت المطالبة عنه، و ما حل في العلم حلت الإباحة و الأمر به. و الحلال عند العلماء ما لم يعص الله عزّ و جلّ في أخذه. قال بعض علماء الباطن: الحلال ما لم يعص الله عزّ و جلّ في أوله و لم ينس في آخره. و ذكر عند تناوله و شكر بعد فراغه. و كان سهل إذا سئل عن الحلال يقول: هو العلم. و قال: لو فتح العبد فمه إلى السماء و شرب القطر ثم تقوى بذلك على معصية أو لم يطع الله عزّ و جلّ بتلك القوة لم يكن ذلك حلالا. و قال طائفة من أهل العلم: إنّ المتصنع للناس و المتزين لهم يأكل حراما، لأنه لم ينصح مولاه في عمله. و قال بعض الموحدين: لا يكون حلالا حتى لا يشهد فيه سوى الله تعالى، و إنّ من أشرك في رزق الله العباد فذلك شبهة و إن حل من طريق الأحكام، و احتجوا بقول عيسى عليه السلام: يأكلون رزقه و يشركون فيه خلقه. و من الأبدال من يقول الحلال ما لم يؤخذ من أيدي الخلق و لم ينتقل إلى أملاكهم، و كان بعضهم لا يأكل إلّا مما أنبتت الأرض التي هي غير مملوكة. و قوله عدل أنّ الحلال ما لم يؤخذ من أيدي الظالمين، و ما أخذ من أيدي المتّقين. و حدثت عن بعض الأبدال في قصة طويلة ذكرها، أنّ بعض العامة من السياحين دفع إليه شيئا من الطعام فلم يأكله، فسأله عن امتناعه فقال: نحن لا نأكل إلّا حلالا، فلذلك تستقيم قلوبنا على الزهد في الدنيا و تدوم على حالة واحدة، و نكاشف بالملكوت و نشاهد الآخرة ثم قال: لو أكلت مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء مما نحن عليه من علم اليقين، و لذهب الخوف و المشاهدة من قلوبنا في كلام طويل. قال له الرجل في آخره: فإني أصوم الدهر و أختم القرآن في كل شهر ثلاثين ختمة فقال له البدل: هذه الشربة من اللبن التي رأيتني قد شربتها أحبّ إلي من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة من أعمالك، و كانت شربة من لبن من أروى وحشية و هو الأنثى من الوعل. و قال بعض السائحين: قلت لبعض الأبدال و قد حدثه عن أكل الحلال بمثل هذا الحديث: أنتم تقدرون على الحلال و لا تطعمون إخوانكم من المسلمين فقال: لا يصلح لجملة الخلق و لم نؤمر بذلك، لأنهم لو أكلوا كلهم حلالا لبطلت المملكة و تعطلت الأسواق و خربت الأمصار، و لكنه قليل في قليل من الخلق و خصوص في مخصوصين أو معنى هذا الكلام. و قال بعض العلماء: لا أعلم حلالا لا شك فيه إلّا ماء الغدران، و ما أنبتت أرض غير مملوكة أو هدية من أخ صالح أو معاملة تقي بصدق و نصح. و كان يحيى ابن معين قد صحب أحمد بن حنبل رضي الله عنه في السفر سنين، و لم يكن أحمد يأكل معه لأجل كلمة بلغته عنه و هو أنه قال: أنا لا أسأل أحدا